جمال ماضي

 

1- يقلبون الحقائق والحق واحد

كثيرٌ من الناس يحسب أن الانتصار في الحياة يتوقف على مَن يملك القوة والمال، أو السيطرة والهيمنة، وفق ما يراه اليوم من بلطجةٍ عالميةٍ يمارسها المشروع الأمريكي الصهيوني، حتى انقلب ذلك منهجًا للدول والحكومات والمجتمعات والأفراد؛ مما يُنذر بكارثة كونية.

 

ومما زاد الأمر غموضًا على الكثيرين أنهم يرون في واقع أوطانهم كيف انقلبت الحقائق؛ فالأنظمة تتترَّس بالأمن لبقائها ضد شعوبها، لصالح أفراد باعوا كل ذرةٍ في البلاد، والأمن يتترَّس بأذرع عسكرية مدفوعة الأجر من ميليشيات يقوم بتسليحها بالسيوف والخناجر من الناس لإرهاب الناس، ويستخدمهم لإسكات صوت الأحرار.

 

والممتلئون بالمال والمنصب والوجاهة من الناس يتترَّسون بالتملُّق والنفاق، لضمان مصالحهم ومنافعهم الشخصية، فليعيشوا وتموت الشعوب من الجوع، وليتنعَّموا ويذهب الأحرار إلى الجحيم، وليلهوا ويقبع الأشراف في غياهب السجون، يستوي في ذلك محاكمتهم مدنيًّا أو عسكريًّا أو قضائيًّا أو إعلاميًّا أو أمنيًّا، فقد اختلفت المحاكمات والسجن واحد.

 

ومع انقلاب هذه الحقائق تبقى الحقيقة التي لا تتغيَّر ولا تتبدَّل ولا تتحوَّل، هذه الحقيقة التي باتت اليوم تهددهم جميعًا: الرؤساء والأذناب، وآياتها تتجلى في كل لحظة، وهم يرونها أكثر مما يراها الناس، ألا وهي الحق المنتصر، وأهله المنتصرون: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (طه: من الآية 114)، فهل يهربون من هذه الحقيقة التي يقول عنها رب العزة: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: من الآية 102)؟!

 

فوعده حق، والنبيون حق، والدعوة إلى الله حق، والساعة حق، والجنة حق، ونصر الله حق، وانتصار المؤمنين حق، والفئة الثابتة على الحق موجودة حتى يأتي الله بأمره، لقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"، (وهم كذلك): وهم ظاهرون على الحق، فهم المنصورون، فعلام يتأثرون بالباطل وإن انتفش، أو يستجيبون لغباره وهو منهار من أساسه.. ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدفعه فإذا هو زاهق﴾؟ (الأنبياء: من الآية 18).

 

وعلام يدهشون من أفعال المهزومين وإن تربعوا على منصة القضاء؟ فالنبي قد أبلغنا الحق بقوله: "القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهلٍ فهو في النار" (رواه أبو داوود).

 

2- ما السر في انتصار أصحاب الحق وانهزام أصحاب المصالح؟!

إنه الثبات؛ فالمنتصر في الحياة هو الثابت على الإيمان، والمنتصر في دعوته هو الثابت على فكرته، والمنتصر في تحمُّل التضحيات هو الثابت على منهجه، والمنتصر في مواجهة التحديات والمؤامرات هو الثابت على الفهم، فالمنتصر الحقيقي هو الثابت على الإسلام؛ إيمانًا ودعوةً ومنهجًا وفكرةً وفهمًا؛ ولذلك فالثبات هو حياة المنتصرين، والمنتصرون هم الثابتون، وهذا هو سر انتصار أصحاب الحق!.

 

وعلى العكس فإنَّ المنهزمين تخلَّوا عن كل شيء في سبيل أنفسهم، تعلن عنهم أقوالهم في الإعلام دون أن يدروا، وتفصح عنهم أفعالهم وما يشعرون، حتى ولو وقفوا مرةً منحازين للحق فالحق يفضحهم ويكشف زيفهم، في أنهم يكيلون بمكيالين؛ لأن الحق عندهم قنطرة لمصالحهم فقط، يتمسَّكون به، ليس لأنه الحق فهم لا يعرفونه، أما إذا كان الحق للمؤمنين فلا يعترفون به، فهم ثابتون على مصالحهم وهذا هو السر؛ ولذلك يظلمون ويستبدون ويحيفون ويحيدون ويدلِّسون ويزيِّفون ويخافون، ويخشون المؤمنين، يقول تعالى ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (50)﴾ (النور).

 

ومن رحمة الله في دعوته أن فتح للجميع أبواب الالتفاف حول الحق، فهو ليس محظورًا على أحد، وليس محصورًا على أناسٍ معينين؛ فالغلبة للحق وليست لأشخاص ولو حملوا الحق، وتأمَّلوا هذا المشهد للمصريِّين حينما آمنوا بالله وليس لموسى، وسجدوا للحق وإن تعارض مع مصالحهم التي جاءوا يطلبونها من الحاكم، في قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121)﴾ (الأعراف).

 

هم ثابتون.. فلماذا لا نثبت؟

هم ثابتون في تحالفهم مع الشيطان، والله يحذرنا: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ (فاطر: من الآية 6)، فهل اتخذناه عدوًّا؟!

 

هم ثابتون على نفاقهم وتملُّقهم، والله ينبِّهنا: ﴿هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون: من الآية 4)، فهل أخذنا حذرنا من دسائسهم؟!

 

هم ثابتون على الغزو والاحتلال وإثارة الشبهات ونشر الإساءات، فهل نواجههم بالذوبان والذلة والهوان، والله يطالبنا بالعزة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)؟!

 

هم ثابتون فلماذا لا نثبت؟ والله يطلعنا على حقيقتهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217)، بل يدفعون كل غالٍ ورخيص؛ ثمنًا لهذا الثبات وتضحيةً لهذه الغاية، فهل يجدي أن نواجههم بدون أن ندفع الثمن والله يقول لأبناء دعوته: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة)؟!

 

فهذا هو قانون المنتصرين وحياة الثابتين وطريق الدعاة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾ (آل عمران: من الآية 146).

 

ورضي الله عن خبيب سيد المنتصرين، يوم ساوموه للرجوع عن دينه، فقال: "لا، والله ما أحبُّ أنني رجعتُ عن الإسلام، وأنَّ لي ما في الأرض جميعًا"، قالوا: لئن لم تفعل لنقتلنَّك، قال: "إن قتلي في الله لقليل".

 

4- كيف نحيا بالثبات؟!

الثبات هدية الله لأهل دعوته، وهبة المولى للمؤمنين الربانيِّين.. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (إبراهيم: من الآية 27).

 

ولا ركونَ لظالم، أو انهزام أمام رخيص مادي، إلا إذا تخلينا عن الله، فتُرفع عنَّا هذه المنَّة الربانية.. ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74)﴾ (الإسراء).

 

ولا تأييد من الله ولا نصرة في الحياة إلا بهذه العطية الإلهية.. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (هود: من الآية 120).

 

فما أحوج الدعوة الربانية إلى القيادة القدوة!! فهذا رسولنا الأسوة، يدعو إلى الثبات.. "إليَّ عباد الله، إليَّ أنا رسول الله، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" فالتف حوله الثابتون المائة في يوم حنين.

 

وما أحوج الدعوة الربانية إلى الجنود الثابتين!! فالنصر ليس بالكثرة، وإنما بالثبات.. ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).

 

وما أحوج الدعوة الربانية إلى الثقة والأمل في نصر الله؛ لأنها منتصرة بالثبات، فلا يهمّها موت، بل هي التي تصنع موتتها، فتحيا الأمة كلها بها، ورضي الله عن الإمام البنا، وهو يقول: "إن الأمةَ التي تُحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة والنعيم الخالد".

---------

* [email protected]