أثار قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد بإصدار مرسوم يدعو الناخبين إلى التصويت في استفتاء على دستور جديد للبلاد في 25  يوليو المقبل، موجة رفض واسعة.

ونشرت الجريدة الرسمية مرسوما رئاسيا يحمل الرقم 506، وينص على أن يُنشر مشروع الدستور الجديد في أجل أقصاه 30 يونيو المقبل، وأن يُجرى استفتاء شعبي عليه في 25  يوليو  القادم على أن يجرى بين يومي 23 و25 من الشهر ذاته بالنسبة للناخبين المقيمين خارج تونس.

ووفقا للجريدة الرسمية سيكون السؤال الوحيد في الاستفتاء هو "هل توافق على الدستور الجديد؟"، وذكرت الجريدة أن الاقتراع سيبدأ في السادسة صباحا وينتهي في العاشرة ليلا يوم 25  يوليو المقبل.

وقالت الأحزاب الرئيسية إنها ستقاطع التغييرات السياسية أحادية الجانب وتعهدت بتصعيد الاحتجاجات ضدها، فيما رفض الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يتمتع بتأثير قوي، المشاركة في حوار محدود وشكلي اقترحه الرئيس فيما يعيد كتابة الدستور.

ويعتزم اتحاد الشغل أيضا تنظيم إضراب وطني في الشركات العمومية والوظائف العامة احتجاجا على الوضع الاقتصادي السيء وتجميد الأجور.

كما صدر مرسوم 505  يتعلق بضبط تركيبة كل من اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية واللجنة الاستشارية القانونية.

وضمت اللجنة الاقتصادية ممثلي المنظمات الوطنية كاتحاد الشغل ونقابة المحامين ونقابة المزارعين ورابطة حقوق الإنسان واتحاد المرأة.

أما اللجنة القانونية، فتكونت من عمداء كليات الحقوق بتونس، رغم إعلان رفضهم المشاركة في مسار الحوار الوطني، الذي يعتز رئيس البلاد سعيّد تنظيمه خلال الفترة المقبلة.

عبر قدماء مسيري الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن استيائهم العميق لما آلت إليه الأوضاع داخل هذه المنظمة الحقوقية العريقة، مؤكدين أنها سجلت غيابا ملحوظا واستقالة شبه تامة أمام ما اعتبروه عديد التجاوزات الخطيرة المخلّة بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان وبدولة القانون والمؤسسات، خاصة منذ 25 يوليو 2021.

واستنكر قدماء الرابطة موافقة الهيئة المديرة الحالية بالأغلبية على التصويت للدخول في حوار صوري لا يستجيب لأدنى ضمانات الشفافية والديمقراطية ومعروف النتائج مسبقا.

وعبّر الأعضاء والمسيرون القدامى للرابطة عن مساندتهم للاتحاد العام التونسي للشغل وقرار هيئته الإدارية الوطنية التي رفضت الدخول في حوار شكلي، معتبرين أن هذا الحوار لا يعدو أن يكون سوى تزكية لقرارات اتخذها رئيس الجمهورية ‏بصورة أحادية دون استشارة لأيّ كان.

ودعا قدامى الرابطة الأعضاء الحاليين إلى اتخاذ موقف تاريخي يرتكز على مبادئ الرابطة ‏وثوابتها ويرفض الوصاية والاصطفاف وراء السّلطة مهما كانت التعلّات ويدعو إلى حوار وطني حقيقي ‏دون إقصاء قادر على إخراج البلاد من الأزمات العميقة التي تعيشها ‏ويحافظ على المكتسبات الديمقراطية التي تحققت منذ الثورة.

من جهة أخرى، اعتذر عمداء كليات الحقوق المشاركة في اللجنة الاستشارية القانونية لـ"هيئة الجمهورية الجديدة" ولجنة الحوار الوطني، تمسكا بحياد المؤسسات الجامعية.

وقال العمداء في بلاغ إنهم "ومع تقديرهم لثقة رئاسة الجمهورية في الإطارات العليا للدولة، فإنهم يعبرون عن تمسكهم بحياد المؤسسات الجامعية، وضرورة النأي بها عن الشأن السياسي"، وذلك طبقا لأحكام الفصل 15 من دستور 27 يناير 2014، وبالقيم والحريات الأكاديمية المعمول بها والمتفق عليها، حتى "لا ينجروا إلى اتخاذ مواقف من برامج سياسية لا تتصل بمسؤوليّاتهم الأكاديميّة والعلميّة والبحثيّة والتأطيرية".

وذكر العمداء أنه، ولئن يحق للجامعيين، شأنهم شأن سائر المواطنين، أن تكون لهم آراء سياسية، وأن يعبروا عنها بكل حرية، فإن "ممارسة هذا الحق تكون باسمهم الخاص، لا باسم المؤسسة الجامعية، خاصة عندما يشغلون منصب مسؤولية بالجامعة التونسية، التزاما بواجب التّحفظ".

وأفاد أستاذ القانون والرئيس المنسق للهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة الصادق بلعيد أنه سيمضي قدما في كتابة الدستور الجديد "بمن حضر" بعد أن رفض أكاديميون بارزون الانضمام إليها، ما أثار مخاوف من أن الدستور الجديد لن يحظى بتوافق واسع. 

وفي تعليق، قال الباحث التونسي في القانون عدنان الكرايني إن قرار عمداء الكليات "هو موقف وفي لدور الجامعة التونسية وموقعها في المجتمع، حيث يعبر عن توجه عام نحو عدم إقحام المؤسسة الجامعية في الصراعات السياسية والتزاما بالحياد الذي عبر عنه السادة العمداء عبر الإشارة للفصل 15 من الدستور". 

وأضاف "الجامعة التونسية فضاء أكاديمي يهدف لتكوين كوادر الدولة وكفاءاتها وهي فضاء أيضا للبحث العلمي بغاية الاستفادة والتطوير، وبلورة كل المشاريع الإصلاحية التي تستفيد منها كل مؤسسات الدولة بدون استثناء".

وتابع الكرايني: "فلطالما كانت مذكرات الماجستير وأطروحات الدكتوراه في كليات الحقوق بما لها من قيمة فقهية عالية، منطلقا لتعديل نصوص وابتكار توجهات واجتهادات أنجع سواء تشريعية أو قضائية". 

وأوضح: "ليس من السليم أن يقع توظيفها من أجل خدمة مشروع فردي أحادي الجانب لا يستند لأي مرتكز دستوري شرعي، فالسادة العمداء كانوا أوفياء لشرفهم العلمي، ولأصوات الإطار البيداجوجي المتكون من كبار أساتذتنا بأن منصب العميد هو منصب علمي لفوائد علمية وليس لفوائد سياسية".

وعن قانونية اللجنة بعد اعتذار عمداء كليات الحقوق، قال الكرايني: "لا وجود للجنة ولا وجود لأثر قانوني لأعمالها إذا غابت عنها مكوناتها. وبالتالي يكون الأمر واضحا وجليا بأن هذه اللجنة أصبحت في حكم المستحيل قانونا وواقعا. وتحولت إلى حبر على ورق". 

وختم قوله بالإشارة إلى أنه "قد يعمد رئيس الجمهورية إلى تعديل مرسومه ويضيف عبارة "السابقين" ليفتح مجال الاختيار. لكن العمداء السابقين يلقبون بصفة العميد تكريما لهم لتحملهم المسئولية العلمية في زمن ما.  لذلك يصعب أن يحظى هذا التوجه بالقبول. الحل الأخير يبقى لسعيد أن يعدل مرسومه بأن يقوم باستدعاء أساتذة يختارهم بنفسه يوافقون هواه وما يشتهي".