قصة روتها لنا كتب السير، عن سبب نزول آية كريمة من سورة التوبة، تبين لنا صورة واضحة للمجتمع المسلم تحت ظلال الإسلام، كيف تصرف أبناؤه، كيف عاشوا الإسلام ببشريتهم، بطبيعتهم، بأخطائهم، كيف عالج الإسلام ذلك كله متمثلًا فى القرآن الكريم وشخص النبى العظيم صلى الله عليه وسلم، والأهم كيف خرج الجميع فائزين كرماء، مع الخطأ البشرى، مع التجاوز الذى وصل إلى كلمة الكفر، وحالة الكفر بعد الإيمان، وكيف نتعلم الدرس؟ درس الفوز بعد الخطأ، درس العلو بعد الفشل، درس النجاة بعد الزلل؟

وقصتنا تدور فى مدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع الأنصار الكرام رضي الله عنهم، أول أطرافها عمير بن سعد أو ابن سعيد، وهو من فضلاء الصحابة وزهادهم، اعتنق الإسلام صغيرًا، وقيل: هو من جملة من ردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لصغرهم، كان يتيمًا فقيرًا، تربى في حجر زوج أمه الجلاس بن سويد، وكان عمر بن الخطاب يعجب به، وقد قال فيه: (عمير نسيج وحده) وقد ولاه حمص. وثانيها الجلاس بن سويد، كان قد تزوج أم عمير بعد أبيه، وكان يكفل عميرًا ويحسن إليه، فإلى تفاصيل قصتنا المباركة.

روى ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعبد الرزاق، وابن سعد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عروة قالوا: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس: "والله لئن كان هذا الرجل صادقا (على) إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا) لنحن شر من الحمير" فسمعها عمير بن سعد رضي الله عنه، وكان في حجر جلاس، خلف على أمه بعد أبيه، فقال له عمير: "والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ، وأحسنهم عندي يدًا، وأعزهم علي أن يصيبه شئ يكرهه، ولقد قلت مقالة، لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمت ليهلكن ديني، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى " فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ما قال له جلاس، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد كذب علي عمير، وما قلت ما قال عمير" فقال عمير: "بل والله قلته، فتب إلى الله تعالى، ولولا أن ينزل قرآن فيجعلني معك ما قلته" فجاء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسكتوا لا يتحرك أحد.
وكذلك كانوا يفعلون لا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} من سورة التوبة. فقال (جلاس): "قد قلته، وقد عرض الله علي التوبة، فأنا أتوب" فقبل ذلك منه، ورُوى أن الجلاس تاب وحسنت توبته، ولم ينزع عن خير كان يصنعه إلى عمير، وكان ذلك مما عرفت به توبته. 

تلك قصتنا كما وردت فى كتب السير وكتب التفسير وأسباب النزول، تبين لنا صورة من مجتمع المدينة المنورة، المجتمع النموذج، مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم، المجتمع الذى تربى على القرآن المنزل لهم مباشرةً، يعالج قضاياهم، ويأخذ بأيديهم، يصحح التصورات، يحق الحق ويبطل الباطل، وتفتح القصة أمامنا أبواب التعلم والتذكر، لمن كان له قلب يرجو الخير، وكان له عقل يهديه إليه. وتلك وظيفة ذلك التراث العظيم بيننا، أن نهتدى به، ونتعلم منه.

نتعلم عمير رضى الله عنه، نتعلم منه أعلى القيم، وأعظم الدروس، نتعلم منه إدارة المواقف حين تتقاطع العلاقات، وكيفية المفاضلة حين تتنازع الولاءات، فهو لم ينس إحسان الجلاس إليه، وعظيم فضله عليه، وكريم بره به، فهو الذى يكفله ويرعاه، وينفق عليه، وهو بمثابة والده، حيث تزوج من أمه بعد وفاة أبيه، اعترف عمير له بكل هذا، وقدر له ذلك كله، لكن دين الله أحب إليه، وإيمانه وغيرته على رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا مكافئ لها، فحين يتجاوز الجلاس صاحب الفضل عليه- فى حق رسول الله- صلى الله عليه وسلم، حين يقول كلمة الكفر -بتعبير القرآن- حين يشكك فى نبوة الرسول وصدق القرآن، فلا مكان للعواطف، ولا تقدير لأى إحسان من بشر مهما كان، ولا حرص على غير دين الله وقيمه وثوابته. لا نفكر مرتين، ولا خوف على رزق، ولا مكانة، ولا علاقة، ولا رأى الناس، ونظرة الناس، لا شئ مع نصرة الحق. وهكذا انطلق عمير يؤدى دوره فى حماية هذا الدين، ويخاطر بهذه العلاقة الوثيقة، بل ويتعرض للتكذيب، فيثبت ويتيقن بنصر الله له، وقد كان. نصره الله بقرآن يتلى، ولم يخسر من الدنيا حبة خردل! 

على أن ما نتعلمه من الجلاس رضى الله عنه لا يقل أهمية أيضًا، فإن الرجل قد أخطأ مرتين، أخطأ حين قال، وأخطأ حين كذب وكذب عميرًا، لكنه لم يضيع فرصته، وقبل عرض الله له بالتوبة، وأعلنها توبة صريحة، تحفظها الكتب عبر السنوات، وتخلد فى الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يأتينا درس الجلاس حين نقارن بينه وبين أولئك الذين ساروا فى طريق الضلالة حتى نهايته، أولئك الذين لم تردعهم آيات الكتاب، ولا بينات الهدى النبوى الشريف الفاعل الحى بينهم، كثير من المنافقين لم يتوبوا ولم يعترفوا، لكن الجلاس تاب إلى الله، ونال الخير الذى وعده الله، وهو أصدق القائلين ووعده الحق، (فإن يتوبوا يك خيرا لهم). 

وكم نحتاج إلى هذه القيمة الكبرى، قيمة الاعتراف ببشريتنا، الاعتراف بإمكانية وقوعنا فى الخطأ كبيرًا أو صغيرًا، وقيمة الشجاعة فى الإعلان عن ذلك، وقيمة الاستعداد للتوبة والتصحيح، ثم قيمة الاعتراف بفضل من قادنا إلى ذلك الخير مهما كانت وسيلته، وميف كان السبب، فقد أدام إحسان الجلاس لعمير وزاده.

ومن تلك القصة المباركة نتعلم درس استثمار الفرص، فحتى الخطأ جعله الله من أكبر الفرص للمؤمنين، وذلك حين شرع الله لنا التوبة، ووعدنا الله بكرمه وفضله أنه يبدل سيئات التائبين حسنات، ويرفع قدرهم، ولا يجعلها وصمة عار لا تنمحى، بل فضل التوبة هو الذى يبقى لهم، يرفع ذكرهم عند الله وعند الناس، ويفتح لهم أبواب الجنات.