ينازع الداعية أثناء مسيره فى طريق الدعوة مشاعر مختلفة، قد تصل إلى حد التناقض أحيانا، فمرة يشعر بالقدرة على التغيير وسهولة تأثيره فى الناس، ومرة يشعر بغير ذلك، على درجات متفاوتة، قد تصل أحيانا إلى حد اليقين بأنه لا نتيجة منتظرة من سعيه. وهنا يبرز السؤال: متى يقرر الداعية التوقف؟ ومن يملك مثل هذا القرار؟

ولقد امتدت عناية القرآن والسنة بالدعاة العاملين لهذا الدين، وبالمؤمنين المقتفين آثار الأنبياء والمرسلين، وتجلت رحمة الله الواسعة بهم حين احتوت النصوص المقدسة الإجابة الشافية عن مثل هذه التساؤلات، فقد عرض الله علينا فى القرآن والسنة مختلف النماذج الدعوية، ومختلف النتائج كذلك، ومن بين هذه النماذج الوافرة نرى بوضوح القواعد والضوابط والقيم الحاكمة للعمل الدعوى، ومن خلال نماذج حية واقعية، وليست فى نصوص جامدة ولا توجيهات نظرية.

عرض علينا القرآن والسنة نموذج نوح عليه الصلاة والسلام. يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ  (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ  (٢٦)} (هود) وهذا ملخص للقصة، وقد وردت التفاصيل فى موضع شتى من القرآن الكريم، ففى سورة نوح يقص علينا ربنا صورة من جهود نوح عليه الصلاة والسلام- ونشاطه فى دعوته قومه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)}.

وقد تكرر مثل هذا المعنى توضيحا وتوكيدًا، {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا   (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا   (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)

وفى كل موضع من ذكر القصة فى القرآن تجد التكذيب الواضح السريع، تجد الإصرار العجيب على الضلال، والتكبر عن اتباع الحق، والعناد والاستهزاء بنوح ومن آمن معه، تجد إرهاقهم وسوء أدبهم، تجد حرصهم وجدهم على ما هم فيه، {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)} نوح.

القوم لم يدخروا وسعًا ولم تقصر هممهم عن التكذيب والإعراض، {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ  (٢٧)} هود.

ثم يعلن القرآن بجلاء لا مثيل له فى سورة العنكبوت- يعلن ملحمية العمل الدعوى وصمود الدعاة، يعلن معنى الثبات الأسطورى الذى لا مثيل له، الصبر المستحيل لغير الربانيين، الحرص على هداية الناس والأخذ بأيديهم إلى الجنة رغم جهلهم وقساوتهم، رغم استهزائهم وتعنتهم، يعلن القرآن النموذج الربانى للداعية، الداعية الذى لا يرى أمام عينيه إلا الأجر العظيم والثواب الجزيل من رب العالمين، لا يرى إلا قومه الفقراء إلى دعوته، قومه الهالكين إن لم يتحرك نحوهم، الداعية الذى يرى العذاب فوق الرءوس، فيجتهد ما وسعه الجهد أن ينقذ الناس وباعد بينهم وبينه، لا يوهن عزمه طول الطريق، ولا يؤثر فيه مر السنين تلو السنين {... فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ... (١٤) (العنكبوت) ألف سنة بلا توقف! ألف سنة بلا ضيق ولا شكوى! إنه النبى العظيم.

نعم صدق الله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)} (العنكبوت) فمتى توقف نوح عن الدعوة؟ ومن قرر ذلك؟ إنه الله وحده.

الله وحده هو الذي قرر وحكم وأنهى المسألة، وأمر نوح أن يتوقف: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) هود. لا أراني فى حاجة لمزيد بيان، إن قرار التوقف عن الدعوة ليس لأحد من الدعاة، ولا يملكون ذلك ولا يجوز لهم، إنه الله رب العالمين وحده الذى له هذا الحق، الله الذى تعبدنا بالدعوة إليه، وشرفنا بالانتساب لهذا الطريق، طريق الأنبياء والمرسلين.

ولقد عرض علينا القرآن ما يؤيد ذلك عن طريق النموذج المخالف، ذلك حينما خاطب القرآن رسولنا العظيم محمدًا صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} قال السعدى فى تفسيره لهذه الآية: فلم يبق إلا الصبر لأذاهم، والتحمل لما يصدر منهم، والاستمرار على دعوتهم، ولهذا قال: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} أي: لما حكم به شرعًا وقدرًا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره. وقوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} وهو يونس بن متى، عليه الصلاة والسلام- أي: ولا تشابهه في الحال، التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبًا لربه، حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم.

فقرار التوقف عن الدعوة لا يملكه بشر، إن دعوتنا هى ديننا عبادتنا جهادنا حياتنا أملنا فى الله وعفوه ومغفرته، دعوتنا هى نصرتنا لدين الله، وحين نتوقف عنها، فما أشبهنا بمن قال الله فيه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)} الأعراف