كلا.... إن معى ربى

(كلا...إن معى ربى سيهدين) صرخة الإيمان الواثق، وصوت اليقين المدوى، ونبرة الثبات الكبير، تتجلى فيها عزة الداعية، وقوة إرادته، وشجاعته فى مواجهة الحياة، يواجه بها المؤمن إرجاف المنافقين، وضعف المتخاذلين، وسوء ظن الجاهلين، يواجه بها الضعف البشرى الفطري من إجرام المجرمين ومكرهم وحقدهم وتدبيرهم، يدعم بها نفسه وإخوانه فى وقت المحن والمواجهات.

(كلا...إن معى ربى سيهدين) ليست كلمات قائد متميز فى لحظة فارقة وحسب، بل ليست مجرد كلمات نبى كريم وردت فى القرآن الكريم يرددها المؤمنون تبركا وعبادة، بل هى ركن من عقيدة المؤمنين، ركن من عقيدة الدعاة، ركن من عقيدة العاملين المجاهدين لإعلاء كلمة الحق، (كلا...) إنها كلمة الاستعلاء، استعلاء المؤمن على الحقائق المادية، وعلى الواقع الذى يعرفه حق المعرفة، والظروف والملابسات التى لا يجهلها، تلك الحقائق التى يستميت أهل الباطل لغرسها فى وعينا، بل فى وعى الناس جميعًا، يريدون أن يؤمن الناس بما يقولون، وأن يرددوا ما يحبون، يبغون بذل أن ينتشر الوهن، ويعم اليأس، ويكون الرضا بالحال سيد الموقف، يجاهدون كل الجهاد حتى يستقر ذلك كله فى عقول الناس وقلوبهم، فلا يتحرك للتغيير أحد، ولا يسعى للخلاص أحد، ولا يقوى على مواجهتهم أحد، وحينئذٍ تكون (كلا) هى قوة الرفض الكبرى، تكون هذه الكلمة وتلك العقيدة هى أخطر ما يهز عروش الطغاة المستبدين، تكون (كلا) بحروفها الصغيرة- هى الوحش الكبير الذى يهدد وجودهم ويزلزل ممالكهم الهشة الضعيفة، وتؤذن بالنهاية المحتومة، وفق سنن الله فى كونه.

 إنها كلمة (كلا)، التى يملأ بها الداعية فمه وقلبه، (كلا) التى تصبغ حياته كلها، وتجدها فى أعماله وأقواله وأخلاقه ومواقفه، إنها عنوان الثورة، وأساس التغيير، إنها نقطة الانطلاق، وبوصلة الجهود، وكما تبدأ كلمة التوحيد بالنفى نفى الألوهية عن غيره سبحانه، ومن ثم إثباتها لله بلا شريك، فإن قصة التغيير الكبرى وملحمة الصراع الخالد المقدس بين الحق والباطل تبدأ بالنفى الهادر المزلزل المجلجل..

نفى منطق القوى المادية التى تسعى لحسم الصراع لصالحها بعيدًا عن إرادة الله، نفى التخلى عن الحق تحت أى تهديد أومخاطر، نفى منطق الاستبقاء على الحياة والتضحية بالمبدأ، نفى الاستسلام والخنوع، نفى اليأس وتضييع الأمل فى الله، ونفى الضعف البشرى فى لحظات الشدة والمواجهة، نفى إشاعة روح الانهزام والتثبيط، نفى نغمة الانسحاب والندم. 

إنها كلا، (كلا) التى لا يحسنها الضعفاء ولا المرتعشون، (كلا) التى لا يعرفها العبيد الأذلاء، ولا التابعون المنقادون الإمعات، (كلا) التى ترسخ فى النفوس كل معانى الحرية والكرامة، بل كل معانى الرجولة والبطولة، لذا فهى كلمة الكبار والعظماء، كلمة الأحرار الشرفاء الأمناء، كلمة من يعرفون أنفسهم وقيمتها، كلمة من اختاروا الطريق، وتبين لهم، كلمة من عرفوا الصفقة مع الحق فباعوا وبايعوا، ووطنوا أنفسهم على تبعات طريق الرجال، طريق الأحرار، طريق المجاهدين، طريق الأنبياء والمرسلين. 

إنها (كلا) التى يرددها الأحرار، فى وجه كل ظالم، فكلا لا خوف من ظالم، ولا رضا بما يصنع، كلا لا رضوخ لمستبد، ولا مهادنة، (كلا) لا استمرار لدولة الظلم، ولا خير فيها، ولا أمان معها، (كلا) لا انتصار ولا تمكين لدولة الباطل، مهما تكاثرت فى مخازنهم الأسلحة، وتضخمت حول أبوابهم الحراسات، ومهما ظنوا أنهم قادرون عليها وأن الأمر قد استتب لهم، فإنهم واهمون، (كلا) لا قوة للظالمين، ولا استقرار، ولا اطمئنان، ولا تنمية ولا بركة ولا مستقبل.

(كلا) لا قعود عن الجهاد والاجتهاد فى سبيل دعوتنا، ولا توقف عن انحراف عن طريقنا، ولا نستبدل به ملذات الدنيا وشهواتها، لا نقيل ولا نستقيل، ولا نبخل على دعوتنا وحقنا بمال أونفس أووقت أوجهد، (كلا) لا نستكثر فى سبيل الله شيئًا، فلله المنن والفضل، ولا تضيع فى سبيل فكرتنا تضحية، (كلا) لن يوقف مسيرتنا شئ، ولن يعرقل حركتنا أحد، ولن يؤثر فينا دماؤنا التى تسيل، ولا حرياتنا التى تصادر، ولا معتقلاتهم التى لا تشبع من الأحرار، ولا مطارداتهم لنا ليل نهار، ولا مصادراتهم أموالنا ومشروعاتنا بغير حق، (كلا) لن نتوقف، ولن نتخلى، ولن نتعب، ولن نشكو، لأننا جند الحق والحرية، جند الله، إلى الله سائرون، وبحقنا مؤمنون، وبحريتنا مستمسكون، ولأمتنا وديننا محبون، وفى الجنة وحدها راغبون، لن يضرنا من خالفنا ولا من خذلنا.

كلا أيها الدعاة الصادقون، أيها المجاهدون المطالبون بالحق والحرية، كلا، لا تهنوا ولا تحزنوا، كلا لا تصدقوا أكاذيبهم، ولا ينطلى عليكم زورهم، فإنهم أوهن من بيوت العنكبوت، وأهون على الله من الذباب، إنما يبلونا الله بهم، لينظر جهادنا وصبرنا وحسن ثقتنا به وبوعده، فهل نحن مؤمنون؟ وهل نحن واثقون بالله سبحانه وبوعده؟ نرى وعد الله كما رآه موسى؟ هل وعد الله حقيقة نركن إليها حين يجد الجد؟ فنقول كما قال عليه الصلاة والسلام- فيصدقنا ربنا سبحانه كما صدق موسى؟ يخبرنا عن ذلك ربنا لنتعلم، فيقول سبحانه: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَقَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَوَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ. سورة الشعراء