شعبان عبد الرحمن*

كان مشهد " التناغم والانسجام" في أداء المقاومة هو المشهد الأبرز في حرب غزة الأخيرة "سيف القدس".

وقد كان هذا الأداء (إعلاميًّا وعسكريًّا) باعثا علي الاحترام - للمرة الأولي - من كل المتابعين في العالم، وقطاع كبير من الجمهور داخل الكيان الصهيوني، وهو أمر سيتوقف أمامه كثيرا جنرالات الحرب – قبل المحللين السياسيين - عند دراستهم  لأسباب إخفاق نتنياهو وفريقه في تحقيق الأهداف المخطط لها من تلك الحرب.

في الحروب السابقة (2008 م - 2012م -  2014م)  كانت الكلمة الأبرز للمتحدثين الإعلاميين الناطقين باسم المقاومة، وحفلت بتحليلات مطولة عن أداء المقاومة، لكن الملاحظ في هذه الحرب ابتعاد المقاومة عن هذا اللون من الخطاب الإعلامي، واختفي المتحدثون الإعلاميون تماما وحل محلهم  لون جديد وواقعي من الخطاب الإعلامي يعتمد علي تقديم المعلومة وإعلان الموقف والرد على ما يجول في أذهان الجماهير العربية والاسلامية العالم، ويبدو أن هذا الخطاب كان محوريًّا ومهمًّا لدى المقاومة.

ولذلك نهض بالقيام به بامتياز رئيس المكتب السياسي الحالي اسماعيل هنية (أبو العبد) ورئيس المكتب السياسي السابق وهو أيضا رئيس حماس في الخارج خالد مشعل (أبو الوليد)، بينما انحصر الإبلاغ عن سير المعركة وتقاصيلها الدقيقة لبيانات الفصائل العسكرية التي تمت صياغتها بعناية وخاصة بيانات "أبو عبيدة" العسكرية - وهو المتحدث باسم كتائب القسام - ويبدو أن اتفاقا تم بين الفصائل ليكون متحدثا باسم غرفة العمليات المشتركة، وبدا ذلك ضمن مشهد التناغم والانسجام بين فصائل المقاومة التي ظهرت – للمرة الأولي في تاريخ الصراع -  كجيش واحد يرمي عن قوس واحدة دون أي اضطراب أو تضارب.

 كان لبيانات "أبو عبيدة" معني ومصداقية، ولذلك كانت الساحة والرأي العام - عند العدو قبل الساحة الفلسطينية والعربية والإسلامية - لسبب مهم وهو أنها كانت تحمل الخبر الصحيح عن سير المعركة والإعلان الدقيق عن موجات جديدة من الصواريخ أو تحذير السكان في المدن والمستوطنات الصهيوينة من موجات قادمة حتي تكون هناك فرصة كافية لإخلاء المساكن وهو ما لم يحدث من جانب العدو قبل أن يشنَّ غاراته علي البيوت والأبراج الفلسطينية دون سابق تنبيه أو التنبيه قبلها بوقت قليل بما لم يمكن معه حتي مغادرة المكان، بينما تابع العالم بيان رئيس أركان قوات القسام محمد الضيف وهو يعلن عن هدنة لمدة ساعتين لقاطني المستوطنات  للخروج من الملاجئ وقضاء احتياجاتهم، في موقف أخلاقي كان مفاجئا لساسة العدو - عديمي الأخلاق  - قبل الرأي العام العالمي.

كانت كل كلمة في تلك البيانات صادقة ومتحققة، حتي خرج من الجمهور الصهيوني القول الشهير "نحن نثق في بيانات أبو عبيدة أكثر من بياناتنا"، وهكذا كان الخطاب الاعلامي العسكري هذه المرة وبهذه الطريقة خطابا مختصرا ومركزا ويحمل المفيد المختصر في رسائل ذات مصداقية، دون إطناب في التحليل أو إطناب في الكلام.

وكان من اللافت هذه المرة أيضا أن يتولي القيام بالخطاب الإعلامي والسياسي لحركة حماس اثنين في قمة هرمها القيادي: اسماعيل هنية وخالد مشعل الذي تولى الحديث والتحليل والتوضيح لكل مواقف الحركة والرد على كل الاستفسارات والاتهامات والتهويلات ومن أبرزها تحليله لتفاصيل العلاقة مع إيران بصورة منطقية ومقنعة.

وقد كان أداء خالد مشعل بصفة عامة أداء موفقا وواعيا ومعبرا، وذلك يرجع إلى أنه يعيش الأحداث ويعيش شئوون الحركة وشئون المقاومة عموما ويطلع على اتجاهات الرأي العام والمواقف الدولية.

ولم يكن خروجه مرة او مرتين في اليوم كما كان يحدث في الحروب السابقة وإنما كان خروجا محسوبا، ولم يزد عن الادلاء بأربعة حوارات: آرتي – العربي الجديد – الجزيرة وبعض المنصات الأخرى. كان مشعل يتعرض خلالها لكل القضايا والمواقف والأحداث باقتدار ولكن عند التعرض للمواقف الرسمية للحركة – وهذا ملمح مهم  -لم يجد غضاضة في الإعلان أن ذلك موكول لقيادة الحركة وهو ما لاقي احتراما كبيرا من صف الحركة ومن المتابعين والمحللين علي السواء وأعطي صورة إيجابية عن دقة التنظيم واحترام المسئوليات داخل الحركة، ولو تطوع خالد مشعل بالإجابة عن كل الأسئلة ما أخطأ لأنه يعيش الأحداث بكل  تفاصيلها ويشارك في صياغة كل المواقف، ولكنه أراد أن يتوقف عن حدود مسئولياته ولا يتعداها لمسئولية قيادة الحركة الحالية (هنية).

وفي ذلك درس مهم لكل من يتطوعون بالكلام في كل شيئ دون أن يتركوا لأصحاب المسئوليات فرصة للتعبير عن مواقفهم، ولئن لامهم أحد أو لفت انتباههم يردون: نحن أيضا مسئولون! وذلك  جريا على قاعدة: نحن رجال وهم رجال، تلك التي أرساها متنطعو الفقه والفتاوي عبر التاريخ فأحدثوا لغطا وشوشرة علي عقول الناس، وهو نفس ما أثاره متنطعو السياسة الذين يصرون على اختطاف دور قيادتهم وفاتحين باب الاجتراء والاندفاع بالتطوع بما يريدون استجابة لنهم "اللقطة" وهو ما يحدث لغطا سرعان ما يتحول إلي خلاغ في كثير من الأحوال.

وفي الوقت الذي قام فيه خالد مشعل بهذا الدورالإعلامي والسياسي قام رئيس المكتب السياسي اسماعيل هنية بدور الاتصالات السياسية الرسمية وإعلان الموقف الرسمي للحركة، وقد تجلي ذلك في خطابه الأول بصورة مفاجئة من الدوحة بينما كانت المعركة حامية الوطيس، وقد شرح مواقف الحركة من كل القضايا، ثم أدلي ببيان آخر بعد سريان وقف إطلاق النار، وبينهما قيادته لمفاوضات وقف إطلاق النار باقتدار كبير خرجت منه المقاومة مرفوعة الرأس بينما جرجر العدو أذيال الفشل.

وبقيت الكلمة العليا في هذه الموقعة للصواريخ التي شهدت تطورا نوعيا ومفاجئا على مستوي أدائها وقدرتها علي الوصول لآخرنقطة في الكيان الصهيوني، وأشهدت العالم كيف قطع "سيف القدس" أوصال وأطراف "حارس الأقصي" قبل أن تطيح برأسه إلى مزبلة التاريخ.