بقلم: ياسر الزعاترة

لن نضيف الكثير إذا جئنا نتحدث عن مفاجآت الانتفاضة الفلسطينية الجديدة ونصرها، وهي التي كانت بدورها مفاجأة مدويّة بالنسبة لكثيرين، بخاصة من أولئك الذين أدمنوا بث اليأس، سواء فعلوا ذلك بحسن نية، أم بسوء نية من أجل تبرير سياسات التعاون الأمني مع العدو، واستمرار مطاردة الوهم وتجريب المجرّب.

مع ذلك، فإن تكرار الحديث لن يكون سيئا في كل الأحوال، بخاصة أن تثبيت الحقائق يبدو أمرا مهما لطرح الرؤية التالية، ولأجل ضرب آلة الدعاية للطرف الآخر، التي لم تتوقف يوما عن بث ما يثير اليأس، ويبرر منطق الهزيمة.

قلنا ونقول مرارا؛ إن للقدس أسرارها، وللأقصى كذلك، فلهذه البقعة من فلسطين بركتها الخاصة؛ ليس على الصعيد الديني وحسب، بل على صعيد تكريس ديمومة الصراع وإفشال كل مساعي إنهائه بطرق مشوّهة. ونتذكر هنا أن هذه البقعة تحديدا هي ما أفشل مفاوضات كامب ديفيد؛ صيف العام 2000، وهي ذاتها التي أفشلت مفاوضات عباس مع أولمرت بعد رحيل عرفات، رحمه الله.

هذه البقعة يريدها الغزاة يهودية، ويريدون أقصاها "هيكلا"، وهذا الأمر يثير حساسية استثنائية؛ ليس عند الشعب الفلسطيني وحسب، بل عند أمّة من ملياري إنسان، يعتبرون هذه القضية قضيتهم المركزية.

لم تكن المفاجأة هنا، فتلك حقيقة راسخة، لكن المفاجأة التي أذهلت العدو هي صمود المقدسيين، بخاصة في حي الشيخ جراح، وفي المسجد الأقصى، وبمساعدة إخوانهم من فلسطينيي 48؛ وإن لم يكن الأمر مفاجئا لنا؛ لأن القدس لم تتوقف عن الحراك، بخاصة أن الأجهزة التابعة لسلطة "أوسلو" لا تحضر فيها.

بعد مفاجأة القدس وحراكها العظيم، كانت مفاجأة فلسطينيي 48 التي أقضّت مضاجع العدو، فهنا أثبت هذا الجزء من شعبنا أنه حاضر بقوة في معادلة الصراع، ليس فيما يخصّ القدس وحسب، بل أيضا فيما يخصّ قضيته الأساسية، الأمر الذي أعاد مصطلح فلسطين من  البحر إلى النهر إلى التداول من جديد، ومعه وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده؛ في الداخل وفي الشتات.

منذ عقود لم تنتفض مناطق 48 كما فعلت هذه المرة، واعتقل من أبنائها ما لا يقل عن ألف، وارتقى شهداء وأصيب كثيرون، وهذا تحوّل نوعي كانت له آثاره الكبيرة على المجتمع الصهيوني، وعلى قيادته أيضا.

أما المفاجأة الرائعة؛ ولكن المتوقعة، فجاءت من قطاع غزة. هناك حيث كان الصغار يتحدثون دائما بمنطق التشكيك في المقاومة، ويساوون بين من يصل الليل بالنهار في سياق الإعداد، ومن يتعاون أمنيا مع عدوه.

لقد أثبتت المقاومة في غزة بقيادة "حماس"، أنها لم تكن تلعب منذ آخر معاركها في 2014، بل كانت تواصل الإعداد، وهو ما ثبت عمليا في قدرتها على الصمود، وفي قدرتها على بث الخوف والوجع في أوصال العدو، والأهم تثبيت معادلة ردع جديدة تشمل كل فلسطين. لقد هدّدت العدو بسبب ممارساته في القدس والأقصى، ونفّذت التهديد، فأثبتت قدرتها، في ذات الوقت الذي أثبتت فيه وحدة شعبنا، كما فضحت مقولة حرص "حماس" على السلطة ومزاياها، فضلا عن مساواتها برموز التعاون الأمني، وحملة بطاقات الـ"VIP".

حين تواجه مقاومة في قطاع صغير ومحاصر أكبر قوة عسكرية وتكنولوجية في الشرق الأوسط، ثم تفرض عليه وقف إطلاق النار دون تحقيق أهدافها، فهذا ليس انتصارا عاديا بحال، ولنا أن نتذكر تاريخ الصراع مع هذا العدو، كي ندرك في اتجاه يسير ونسير.

أما الضفة الغربية، فكانت هنا أيضا. إنها الضفة التي تم اتهامها بالتقاعس، وشعبها بالركون لبؤس السلطة واشتراطاتها، من دون النظر إلى صعوبة التحرّك في ظل قوة أجهزة تلك السلطة، وحضور الاحتلال بشكل يومي في سياق مطاردة المقاومة، واعتقال رموزها، فضلا عن انحياز حركة كبيرة بحجم "فتح" إلى خيارات عباس العبثية.

مع ذلك، فقد ثبت أن روح المقاومة لم تخمد في الضفة، ورأينا عمليات كثيرة (دهس وطعن وإطلاق نار)، وحدث ذلك رغم الضربات التي تعرّضت لها قوى المقاومة، ثم رأينا حراكا شعبيا، تجلّى في أروع صورة يوم الـ18 من أيار؛ يوم الإضراب العظيم الذي جعل فلسطين؛ كل فلسطين وحدة واحدة، حيث رأينا حشودا في المدن الفلسطينية لم نرَ مثلها منذ عقود.

لا بأس هنا من التذكير بتداعيات الانتفاضة الأخرى، ممثلة في إحياء قضية فلسطين التي اعتقد الغزاة أنهم دفنوها تحت غبار التطبيع والمطبّعين. وإحياء قضية فلسطين، ساهم في إحياء الأمة التي عانت من عدوان إيران وهجمة الثورة المضادة، وفوق ذلك كله حصولها على تعاطف عالمي رهيب، بما في ذلك داخل أمريكا التي شهدت خطابا لم تعرفه منذ إنشاء الكيان.

ربما كان كل ذلك معروفا للمعنيين، لكن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه هو: ماذا بعد؟ وهل انتهت المعركة بانتصار المقاومة في قطاع غزة وفرض الهدنة الجديدة، ومن ثمّ العودة إلى حالة المراوحة التي عرفناها منذ 2004، أي منذ تسلّم محمود عباس لقيادة السلطة و"فتح" ومنظمة التحرير، وكذلك بعد المعارك الثلاث السابقة (2008، 2012، 2014)؟

إذا كانت الإجابة هي (نعم)، فتلك مصيبة بحق. أما الإجابة الضرورية فهي (لا) وألف (لا)؛ إذ لا ينبغي أن نعود إلى حالة التيه القديمة بحال.

على "حماس" وقد نالت الصدارة في هذه المواجهة أن تبادر مع (الجهاد) والقوى الأخرى، بما في ذلك "فتح"، أو من يقبل التمرّد على عباس منها، أن تبادر إلى بناء مشروع جديد عنوانه الوحدة في ميدان المقاومة والانتفاضة الشاملة، وإدارة السلطة بشكل توافقي، كسلطة تدير حياة الناس، ولا شأن لها بالقرار السياسي.

إذا قبلت "فتح" بإعادة تشكيل منظمة التحرير على هذه القاعدة، فأهلا ومرحبا، وإلا، فليكن المشروع البديل من كل القوى في الداخل والشتات، ولنبدأ مرحلة جديدة فرضتها هذه المعركة الوحدوية الرائعة التي لم نعرفها منذ عقود. إذا لم يحدث ذلك، فسنكون قد أخفقنا، وعدنا إلى مرحلة التيه والعبث، وشعبنا في كل أماكن وجوده لن يقبل بذلك، وكذلك جماهير الأمّة التي استعادت بوصلتها وآمالها بعد هجمة "الثورة المضادة" منذ عقد كامل.