تناول موقع "ميدل إيست آي" البريطاني الوضع في تونس، وكتبت فرانشيسكا إيبل، مراسلة الموقع في تونس، أن بعض التونسيين يتساءل عما إذا كانت البلاد في خضم انقلاب دستوري هادئ.

وأشارت الكاتبة إلى أن ذلك يأتي في ضوء سلسلة من التحركات العدوانية المتزايدة التي قام بها الرئيس التونسي “قيس سعيد” خلال الأشهر الأخيرة، ما دفع بعض المراقبين إلى التحذير من أن "سعيد" ربما يمهد الطريق لمزيد من الإجراءات للقضاء على خصومه وتعزيز سلطاته الرئاسية، عبر التلاعب بتفسير دستور البلاد ما بعد الربيع العربي.

وقالت إن سعيّد يعد شخصية غير عادية في السياسة التونسية المعاصرة. وقد انتُخب "قيس سعيد"، أستاذ القانون الدستوري غير المعروف، الذي ترشح كمرشح مستقل دون دعم من حملة منظمة أو باهظة التكلفة، بأكثر من 70% من الأصوات في أكتوبر2019.

ويُعرف سعيّد بأنه شعبوي، لكنه ليس بمعنى دونالد ترامب، حيث أن سجله نظيف وترشح للرئاسة متعهدا بمحاربة الفساد، وقد بدت نواياه في ذلك الوقت جيدة. كما أنه يبذل جهودا ليقدم نفسه كرجل عادي من الشعب لم يتأثر بالسلطة.

وتروي الكاتبة كيف أنه قبل صعوده على متن طائرته إلى القاهرة لحضور اجتماع مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، توقف “سعيد” في مقهى على جانب الطريق لتناول القهوة في فنجان ورقي مع بعض السكان المحليين.

وتشير إلى أنه في يناير الماضي، بينما كانت البلاد تعصف بها مظاهرات يومية احتجاجا على معدلات البطالة والإحباطات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الوباء، ظهر الرئيس دون سابق إنذار وسط الطريق الرئيسي بالمدينة لاستقبال المؤيدين والمارة.

وجه جديد لسعيّد

لكن منذ بداية العام، شهدت تونس وجها جديدا لـسعيد، ففي الأشهر الأخيرة، أظهر نفسه عنيدا، ومتحيزا في بعض الأحيان، وأظهر عدم استعداده للتفاوض أو التسوية مع خصومه.

وذهب قبل أيام، خلال الاحتفال بالذكرى الـ 65 لتأسيس قوات الأمن التونسية، إلى بعث رسالة واضحة، إن لم تكن تهديدية، إلى رئيس الوزراء “هشام المشيشي”، وهو شخصية برزت مؤخرا على أنه العدو السياسي للرئيس، بالرغم من كونه كان حليفا لـ "سعيد”، الذي رشحه لرئاسة الحكومة.

وقال "سعيّد”، في خطابه الذي حضره كل من "المشيشي” وخصم الرئيس الآخر رئيس مجلس النواب زعيم حركة النهضة “راشد الغنوشي”: “الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية والمدنية. فليكن هذا الأمر واضحا لكل التونسيين”.

وأكد “سعيد” أن القوات المسلحة هي الجيش وقوى الأمن.

ووضعت إشارة "سعيد” الصريحة لسلطة الرئيس على قوات الأمن الداخلي في البلاد، وليس الجيش فقط، العديد من المراقبين والسياسيين في تونس في حالة تأهب قصوى.

وفيما يحدد الدستور التونسي لعام 2014 بعناية الفصل بين السلطات داخل السلطة التنفيذية، وهو يمنح الرئيس حاليا صلاحيات في الشؤون الدبلوماسية والدفاعية، فمن الناحية النظرية تخضع وزارة الداخلية التونسية وقوى الأمن الداخلي لسيطرة رئيس الوزراء.

وقد يبدو هذا الجدل الأخير تقنيا دستوريا للبعض، خاصة وأن سعيّد هو أستاذ للقانون الدستوري، لكنه يظهر نمطا من الخطاب الراديكالي المتزايد من جانب الرئيس للسيطرة على نزاع سياسي أدى إلى شل البرلمان وإخراج الحكم عن مساره لعدة أشهر.

وفي يناير رفض "سعيد” أداء اليمين من قبل 4 وزراء اختارهم “المشيشي” في تعديل وزاري، قائلا إن الأفراد المعنيين لديهم تضارب في المصالح.

وفي الأسبوع الماضي فقط، في خطوة أثارت قلق الكثيرين، أوقف "سعيد” جهود البرلمان للمضي قدما في إنشاء المحكمة الدستورية التونسية، وهي عنصر أساسي في الثورة التونسية وآمالها في ديمقراطية حقيقية لم تشهدها البلاد بعد.

وتم تحديد المحكمة لتكون الأولى من نوعها في العالم العربي.

ومع ذلك، قال "سعيد” إن المهلة المحددة لإنشائها قد انقضت وإن الحكومة تباطأت.

وبحسب الكاتبة رأى البعض في ذلك علامة على أن "سعيد” شعر بالتهديد من تحرك "الغنوشي” وربما شك في دوافع سياسية لاختيار هذا التوقيت، لأن مثل هذه المحكمة يمكن أن تكون الطريقة الوحيدة لتحييد “سعيد”، وربما قاوم “سعيد” هذه الخطوة من أجل حرمان البرلمان من المزيد من السلطة.

ومع ذلك، منذ عام 2014، قام البرلمان بمحاولات متكررة لتعيين محكمة دستورية، وتعاني العملية منذ فترة طويلة من المشاكل والخلافات.

واتهم زعيم حزب "أمل تونس”، "أحمد نجيب الشابي”، الإثنين الماضي، “سعيد” بتنفيذ “انقلاب ناعم”، فيما كتبت صحيفة “الإيكونوميست المغاربية” أن الخطاب كان علامة على “شهية سعيد التي لا يمكن السيطرة عليها للسلطة”.

ونقلت الكاتبة تعليق أستاذ القانون الدستوري "ربيع الخريفي” بقوله إن هذه الخطوة قد تعني أن "قرارات مؤلمة وأياما صعبة على وشك الحدوث، قد تبدأ بسلسلة من الاعتقالات بين النواب"، في إشارة إلى تعليق لـ "سعيد” قال فيه إنه لا يمكن للحصانة حماية السياسيين.

وقال "الخريفي" إن "الخطير في هذا الخطاب أنه أوصل رسالة إلى جميع التشكيلات الأمنية أن القرارات والتعليمات تصدر من قبله وحده، وهو يقصد ذلك ويدعوهم إلى عدم الاستماع إلى رئيس الوزراء.

وفي حديثه إلى "ميدل إيست آي"، تحدث رضوان المصمودي، عضو اللجنة السياسية لحركة النهضة، عن قلقه من أن إصرار الرئيس على إعادة تفسير الدستور يمكن أن يؤدي إلى "أفعال خطيرة"، وأن هذا سيكون بمثابة انقلاب.

وقال “المصمودي”: "لن يكون انقلابا عسكريا تقليديا.. هذا مستحيل في تونس.. لكن ما هو ممكن هو إنهاء التحول الديمقراطي في تونس.. مع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، يمكن أن نصل إلى وضع فوضوي وقبيح للغاية”.

ومع ذلك، أكد محللون أن خطابات “سعيد” مجرد كلام حتى الآن، وأنه حتى لو تصرف باتجاه هذا الهدف، فإن لديه القليل من الموارد المتاحة لتحقيقه.

وقال “يوسف الشريف”، الخبير في السياسة في شمال أفريقيا والمدير العام للفرع الإقليمي لجامعة كولومبيا في تونس: “من التطرف القول إن هذا انقلاب. بالتأكيد سعيد يريد العودة إلى النظام الرئاسي، لكنه لا يملك الوسائل أو الفريق القوي لتطبيق ما يقول إنه يريد القيام به”.

وفي تسليط للضوء على مناسبة أخرى العام الماضي عندما تحدث “سعيد” بخطاب مماثل عن سلطة الرئاسة على القوات المسلحة، قال المحلل السياسي “طارق الكحلاوي” إن أولئك الذين يصورون خطاب سعيّد على أنه “انقلاب” تقودهم مواقفهم السياسية، وخاصة أولئك الذين يتعاطفون مع حركة “النهضة”.

ويقول “الكحلاوي”: “ميزان القوى في البلاد لن يمنحه إمكانية الانقلاب، هذه حرب كلامية ومشكلة ثقة”.

وما دفع “سعيد” إلى سلوكه الأخير هو صراعه المريب منذ فترة طويلة مع “الغنوشي” و”النهضة”، ومؤخرا “المشيشي”. وبدأ الخلاف بين الجانبين في وقت مبكر من عام 2019، وتفاقم مع فشل حكومة “إلياس الفخفاخ” عام 2020، والتي استقالت بعد أن سحب حزب “النهضة” دعمه لها.

بدأ الخلاف بين الجانبين في وقت مبكر من عام 2019، وتفاقم مع فشل حكومة “إلياس الفخفاخ” عام 2020، والتي استقالت بعد أن سحب حزب “النهضة” دعمه لها.

ويقول “الكحلاوي”: “أيا كان ما يفعله قيس سعيد فهو لا يأتي من خطة ثابتة، بل يتطور مع تغير الوضع. إن عدم ثقته في الأحزاب السياسية آخذ في الازدياد ولكن هذا لم يكن موقفه منذ البداية”.

ويوضح “الكحلاوي” أن جزءا من القضية هو أن “سعيد” ليس سياسيا تقليديا، فلا تجد لتعليقاته معنى ثانيا أو ثالثا، وهو مباشر بشكل كبير.

وأضاف “الكحلاوي”: “سعيد لا يتخذ هذه المواقف ضد ضحية صامتة لا تفعل شيئا، فالطرف الآخر يقوم بالكثير من المناورات السياسية السرية، ويتحدثون بخطاب مزدوج. لذلك فإن سعيد متوتر بشكل متزايد”.

وبحسب “الشريف”، فإن الصراع بين “الغنوشي” و”سعيد” يكاد يخرج عن السيطرة، مضيفا أنه قد يؤدي في النهاية إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.

وبالرغم هذا التجاذب والصورة المرسومة عنه لافتقاره التام للخبرة السياسية ودعم حزب له، إلا أن شعبية “سعيد” بين الناخبين تبقيه واقفا على قدميه.

وتنقل الكاتبة عن محللين قولهم إن استمرار شعبيته يعود إلى معارضة “سعيد” الثابتة لحركة “النهضة” والنخبة السياسية.

وقدرت استطلاعات الرأي الأخيرة نسبة التأييد له عند نحو 50%، متقدما على قادة الأحزاب الآخرين بمسافة كبيرة.

ويقول “الشريف”: “لقد أظهر سعيد اختلافا واضحا عن النظام السياسي التقليدي. لهذا السبب صوتوا لصالحه.. إنهم يكرهون حقا هذه الشخصيات السياسية الأخرى”.

وأضاف: “في ظروف أخرى، كان سيفقد شعبيته. لكن من وجهة نظر مؤيديه هو لا يغير النظام ويقود البلاد إلى طريق مسدود دون تقديم بديل”.

ويعتقد العديد من أنصار “سعيد” أن النظام البرلماني ضعيف ويودون عودة النظام الرئاسي، قائلين إن حكومة قوية وموحدة هي ما تحتاجه تونس أثناء مواجهتها أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

ويحذر “المصمودي”، الذي صوت لصالح “سعيد” وكافح لأجل فوزه عام 2019 ولكنه يأسف الآن لهذا القرار، من أن تونس بحاجة إلى مزيد من الوقت للانتقال الديمقراطي، وأن مثل هذه الإصلاحات قد تخاطر بالعودة إلى الديكتاتورية.

ويقول “المصمودي”: “أعتقد أنه إذا كان هناك صراع حقيقي على السلطة، فسنرى قيس سعيد مختلفا. لديه القدرة على أن يصبح رئيسا مستبدا، إنه عنيد جدا، تماما مثل القطار”.

وأنهى حديثه قائلا: “تونس لا يمكن أن يحكمها رجل واحد، لم يعد عرض الرجل الواحد ممكنا”.