هل سيدفع حجم الأزمة الاجتماعية والتحديات الاقتصادية الهيكلية القوّات المسلّحة في مصر للرحيل عن الحكم؟ في مصر لم يبق إلا قلة من المحاورين السياسيين والاجتماعيين الذين بإمكان المؤسسة العسكرية التفاوض معهم حول انسحابها من السياسة، ما يحد من المدى المتاح لانتقال منظم، بحسب دراسة جديدة لمعهد "كارنيجي" الأمريكي عن مستقبل الحكم العسكري.

الدراسة التي أعدها الباحث يزيد صايغ صدرت ضمن كتاب لباحثين آخرين بعنوان: "سياسات السلطوية العسكرية في شمال إفريقيا"، وتشمل دراسات عن مستقبل سيطرة العسكريين على الحكم في مصر والسودان وليبيا والجزائر.

في كلتا الحالتين، قد يجد السيسي صعوبة متزايدة في البقاء على رأس القطاع القسري القوي والمتوسع بصورة متزايدة في مصر.

الدراسة تؤكد أن التدخل العسكري في الاقتصاد المصري أدى إلى ظهور نسخة جديدة من رأسمالية الدولة، مدفوعة بالفكرة الاشتراكية العربية في الستينات التي أعيد تشكيلها من خلال الخصخصة في التسعينيات.

سعت الدولة في عهد عبد الفتاح السيسي إلى إجبار القطاع الخاص على تنفيذ إستراتيجية استثمار رأس المال الحكومية وفقا لشروطها الخاصة فقط ورغم الاستمرار في إعلان الالتزام باقتصاديات السوق الحرة!

وأشارت لتوسيع وتحويل النشاط الاقتصادي العسكري في خمسة قطاعات: التطوير العقاري، وإنشاء محاور للصناعة والنقل، والأنشطة الريعية أو الاستخراجية المتعلقة بالموارد الطبيعية، والعلاقات مع القطاع الخاص، والجهود المبذولة لزيادة الموارد المالية للدولة.

د. ريسا بروكس، أستاذ مساعد العلوم السياسية في جامعة ماركيت بولاية ويكنسون الأمريكية، وباحثة بمركز الدراسات الدولية والإستراتيجية المرموق في واشنطن، والمتخصصة في الشئون العسكرية الأمريكية وعلاقاتها بالمؤسسات العسكرية في شمال إفريقيا هي التي كتبت الجزء المتعلق بالعلاقات العسكرية المدنية في مصر السيسي.

وقالت إنه نظرا إلى التحديات التي تواجه مصر، قَلَبَ السيسي الصيغة الأساسية للعلاقات العسكرية المدنية المصرية، وزاد من سيطرته الشخصية على المؤسسة العسكرية.

يظل المنطق الأساسي للعلاقات العسكرية المدنية في عهد السيسي هو استيعاب المؤسسة العسكرية الكبيرة ومراعاة مصالحها التنظيمية والاقتصادية للاحتفاظ بدعمها وبسلطته في الحكم.

لكنها قالت إن التحديات الكبيرة التي تواجه مصر، لن تكون في صالح خطة السيسي لوضع يد الجيش علي اقتصاد البلاد بأكمله كي يدعم بقاؤه في السلطة بسبب التدهور والفشل الاقتصادي، وأن السيسي قد يسعى إلى قلب الصيغة الأساسية للعلاقات العسكرية المدنية المصرية من خلال زيادة سيطرته الشخصية على المؤسسة العسكرية وقوّات الأمن، وهي إستراتيجية محفوفة بمخاطر كبيرة.

سلطة مستقلة للحكم

توضح الدراسة أن مصالح السيسي كعسكري في مناصبه السابقة في المخابرات الحربية وكوزير للدفاع في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، تختلف عن مصالح السيسي الآن وهي مصالح لا تتوافق بالكامل مع مصالح المؤسسة العسكرية.

وأنه "إن كان السيسي غير راغب في أن يبقى دمية أو سجلا خاملا لمصالح جنرالاته، فعليه الحفاظ على سلطة مستقلة للحكم، وربما قاعدة دعم في الدولة والمجتمع لموازنة اعتماده على القطاع القسري".

فللحصول على موافقة الجيش علي خوض انتخابات هزلية الرئاسة عام 2014 اعتمد السيسي على مصلحة المؤسسة العسكرية وأعطى الجيش مزايا عديدة في الدستور الذي تمت صياغته أواخر عام 2013 حول من يختاره الرئيس كوزير للدفاع واشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة على التعيينات لفترتين.

كما جعلت المراسيم اللاحقة التي أصدرها عدلي منصور وزير الدفاع على رأس المجلس الأعلى للقوّات المسلّحة، بدلًا من الرئيس كما في الماضي.

ورغم أن السيسي قد عيّن منذ ذلك الحين وعزل العديد من القادة العسكريين، بمن فيهم وزير دفاعه، فإن هذه الأحكام الدستورية تعني في نهاية الأمر أنه باق في منصبه بناء على طلب جنرالاته.

اعتمد السيسي في إدارة علاقته مع المؤسسة العسكرية على تكتيكات مُجرّبة تتعلق بالتنازل لصالح سيطرة القوّات المسلّحة على أجزاء كبيرة من الاقتصاد لمقايضة الولاء العسكري.

وأشرف السيسي على التوسع المطّرد في دور القوّات المسلّحة في المؤسسات التجارية وبدأ في مشاريع بنية تحتية جديدة تظل فيها هذه المؤسسات غير خاضعة للرقابة والمساءلة من قبل الهيئة التشريعية أو البيروقراطية المدنية، وهي معفية من الضرائب، وتشغل الجنود كعمال.

دور إقليمي موسّع

سعى السيسي أيضا إلى توسيع الدور الإقليمي للقوات المسلّحة فقامت البحرية المصرية بالتنسيق مع نظيراتها الإماراتية والسعودية والأمريكية بمهام في البحر الأحمر، وشاركت القوات الجوية المصرية والقوات الخاصة بدعم جيش خليفة حفتر.

في الآونة الأخيرة، كثّف السيسي تهديداته بمزيد من التدخل العسكري في ليبيا في مواجهة تنامي التدخل التركي وخسائر جيش حفتر.

ولكن حقيقة الأمر أن السيسي يفعل هذا من أجل تشتيت انتباه ضباطه عن العمل بالسياسة والضرب علي وتر أن هذا عمل وطني يقوم به الجيش لحماية مصر بينما الحقيقة أنه يشغل الجيش في مغامرات خارجية.

الباب الدوّار لإقالة وتعيين العسكريين

ضمن محاولته تحييد الجيش وعدم شغله بالسلطة وعدم توفير فرص للانقلاب ضده يقوم السيسي بسياسة الباب الدوار مع قادة الجيش، وهو تدوير وإقالة العسكريين من أجل تعيين ضباط موالين ومخلصين له في مناصب مهمة.  

وقد ساعدته خبرته السابقة في المخابرات الحربية في تنظيم هذا الباب الدوّار لضباط القوّات المسلّحة من خلال تعيينات وإقالات في المناصب القيادية.

وفعل السادات ذلك أيضا وكان يعيّن ويقيل القادة العسكريين بانتظام، مثل أولئك الذين عارضوا خطته الحربية المحدودة في حرب أكتوبر 1973 كما قام مبارك بتهميش أبو غزالة، خوفا من احتمال قيام هذا القائد العسكري ذي الشخصية الكاريزمية أن يحل محله أو تهميشه.

وسعى مبارك لتعيين القادة المتملقين غير الكاريزميين، مثل المشير محمد حسين طنطاوي وزيرا للدفاع، ومع هذا وقف طنطاوي ضد مبارك.

لهذا عزل السيسي صهره ورئيس أركانه محمود حجازي، في ديسمبر 2017 وخطأ حجازي الرئيسي كان ولاءه الأول، مثله مثل القيادات المؤسساتية الأخرى في القوّات المسلّحة للمؤسسة العسكرية، وليس للسيسي ولكن كان السيسي يكشف بذلك عن قدرته الدكتاتورية الطبيعية، ويستعرض حقه في إقالة الأفراد من أجل ردع الآخرين عن معارضة حكمه.

تعيين الأقارب في المناصب

يشير التقرير لجانب آخر يسعي له السيسي لتأمين نفسه في الحكم باعتماد أساليب شائعة في الأنظمة التي تُظهر نكهة أكثر شخصانية، كما هو الحال في العراق وليبيا وسورية بتعيّين أفراد من عائلته في مناصب مهمة في جهاز الأمن، بمن فيهم أحد أبنائه، والذي ساعد بدوره في تنظيم عمليات التطهير والإقالة.

بالإضافة إلى ذلك، استخدم السيسي التنافس بين القوّات المختلفة لإبقاء القطاع الأمني تحت السيطرة.

ويشير التقريرإلى أن السيسي تجنب حتي الآن ما فعله غيره من الدكتاتوريين في سورية وليبيا والعراق سابقا بتشكيل وإنشاء وحدات عسكرية جديدة أو قوات شبه عسكرية يرأسها أولئك الذين تربطهم علاقات وثيقة (وربما عائلية)؛ لأن هذا سوف تعتبره القوّات المسلّحة المصرية "إهانة"، لذا فأي جهد لإنشاء وحدات أمنية جديدة ومستقلة ومجهزة وممولة تمويلًا جيدا يمكن أن تتسبب خلاف خطير مع المؤسسة العسكرية.

ويؤكد أن هناك خلافات داخل الجيش ولكنها لا تظهر هذه التوترات أمام الرأي العام، للعلن إلا نادرا لتعبر عن عدم الرضا عن قيادة السيسي، وأحد الأمثلة البارزة على ذلك هو المحاولة الفاشلة من قبل المهندس العسكري السابق العقيد أحمد قنصوه للترشح للرئاسة، والتي أعلن عنها في مقطع فيديو على "يوتيوب" في نوفمبر 2017 وتم سجنه 5 سنوات.

السيسي بلا قاعدة اجتماعية

في الوقت الحالي، لا يزال السيسي مَدينا بفضل مؤسسة القوّات المسلّحة، ومستعدا لقبول نفوذها الملحوظ للحفاظ على تواطئها مع حكمه، ومع ذلك، فإن الاعتماد على المؤسسة العسكرية أو الجمهور داخل قطاع الأمن كقاعدته السياسية يترك السيسي ضعيفًا، ومن المحتمل أن يكون مُستَهلكا كزعيم سياسي للبلاد.

ويوفر الدعم من دول الخليج قاعدة بديلة من خلال ضخ الأموال لمشاريع البنية التحتية الضخمة وما شابه ذلك لكن هذا يختلف عن وجود قاعدة قوة له بين النخب أو في المجتمع.

هذا درس فهمه أسلاف السيسي جيدا فقد أنشأ جمال عبد الناصر الاتحاد الاشتراكي العربي في عام 1962 جزئيا لحشد قاعدة دعمه بين الطبقة العاملة والطبقات المتوسطة الدنيا ولتعزيز دفاعاته ضد عبد الحكيم عامر وزير الدفاع في ذلك الحين وأحد المنافسين الرئيسين لناصر.

وقام السادات بتمكين الطبقة البرجوازية من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي، والتي خلقت أيضا طبقة من الوسطاء بين الدولة والقطاع الخاص.

كما سعى إلى تعزيز موقفه من خلال التحرر السياسي والاحتكام إلى الدين، وهي إجراءات تزامنت مع عودة الإخوان المسلمين.

واعتمد مبارك على الحزب الوطني الديمقراطي، ومن خلال ابنه جمال، بنى جيلا شابا من نخب رجال الأعمال إلى جانب الجيل الأكبر سنا كما قام بتحويل الأموال ورفع المكانة السياسية لوزارة الداخلية لضبط نفوذ المؤسسة العسكرية، ما أثار استياء العديد من قياداتها.

استمرار السيطرة معضلة للسيسي

يرى معهد "كارنيجي" أن الخطوة الطبيعية للسيسي في ترسيخ سيطرته على المؤسسة العسكرية هي توفير جمهور مناصر له خارجها، وهذا يشكّل معضلة إلى حد ما.

فهو غير قادر علي توفير هذا الجمهور المناصر له في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، والجباية القسرية التي تمتص موارد المصريين.

ربما لهذا السبب، يفضّل السيسي قمع الجماهير المدنية بدلا من رعايتها وفي ظل حكمه، تلاشت استقلالية وموارد الجهات الفاعلة والمؤسسات المؤثرة سابقا مثل الحزب الوطني الديمقراطي ونخبة رجال الأعمال ووسائل الإعلام والجامعات وتشبه مصر بشكل متزايد دولة بوليسية.

وأشارت الدراسة إلى أنه يبدو أن السيسي يعتمد على قدرته على إبقاء المؤسسة العسكرية سعيدة للحفاظ على منصبه، وفي نفس الوقت يعتمد على قدرته في التلاعب والسيطرة على شعبه وهي صيغة لها مخاطرها.

فهي تخلق حالة من الاستياء داخل المجتمع المصري، ما يجعل السيسي أكثر اعتمادا على القمع ما سيؤدي بدوره إلى تحويل السلطة إلى قطاع الأمن.

أيضا يجب على السيسي بعد ذلك أن يُشبع شهية المؤسسة العسكرية المتزايدة للموارد والفصائل القوية داخلها، وهذا الأمر صعب أيضا بما فيه الكفاية، لكن يجب عليه أن يفعل ذلك، والحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار السياسي الذي تثمّنه وتضمنه له المؤسسة العسكرية كي يدعم إمبراطوريتها الاقتصادية.

وإذا تعثر السيسي، فقد تتواطأ القيادات العسكرية لاستبداله وبدلا من ذلك، قد تأخذ بعض المجموعات بينها زمام المبادرة وتبني جسورها الخاصة مع النخبة أو المجتمع، لتهميش السيسي أو الإطاحة به خلال هذه العملية.

وفي كلتا الحالتين، قد يجد السيسي صعوبة متزايدة في البقاء على رأس السلطة.