أمثلة عدة ومواقف ألقت السنة النبوية الضوء على جزء منها، وتناقله الصحابة والسلف الصالح عن رفق النبي صلي الله عليه وسلم في دعوته، فحياة الرسول صلى عليه وسلم كانت خدمة وعطاء وتعليما وتبليغا وحلمًا وأناة ورحمة، لقوله تعالي وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الآية 106 من سورة الأنبياء)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا رحمة مهداة”.

فرسالته كانت أساسها الرحمة، وقد أكدت ذلك الآية الكريمة فقال الله سبحانه وتعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لا نفضوا من حولك" (الآية 159 من سورة آل عمران).

وبعث رسول الله صلى عليه وسلم برسالة الإسلام في قومه، وقد لاقى منهم من الأذى ما لا يمكن وصفه، خصوصا في بداية الأمر. ولكن رحمته وحلمه وسعة صدره كانت تشمل كل الناس، وتطفئ غضبهم، وتهدئ من روعهم وتبدل أحوالهم. ولذلك خلقه الله سبحانه وتعالى عز وجل إذ يقول في كتابه العزيز: "وإنك لعلى خلق عظيم".

وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه”، وفي رواية أخرى له: “إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”.

فمن صلب التربية الاقتداء برفق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وشفقته على كل خلق الله عز وجل، حيث أن الرِّفق واللِّين في مجال الدَّعوة إلى الله سبحانه وتعالى لهما فوائد جليلة في عودة النَّاس إلى طريق الحق والصَّواب، والتزامهم مبادئه وأحكامه، ومن ثمَّ التفافهم حول الدَّعوة،

رفق النبي

هناك أمثلة عدة تحدث عن رفق النبي في دعوة نذكر منها

1- ذكر ابن الأثير حديثًا طويلًا لعدي بن حاتم الطائي عن حواره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى بإسلامه، أخرجه بن ماجة في السنن، وقال بعده:

” قيل: إنه لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى طيئ أخذ عدي أهله، وانتقل إلى الجزيرة، وقيل: إلى الشام، وترك أخته سفّانة بنت حاتم، فأخذها المسلمون، فأسلمت وعادت إليه فأخبرته، ودعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحضر معها عنده، فأسلم وحسن إسلامه”.

2- وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى مع الكفار والأعداء الذين آذوه وقاتلوه، قال صلى الله عليه وسلم: “اللهم اهد دوسا” (رواه أبو النعيم عن سفيان عن ذكوان عن بن هريرة)، وقال: “اللهم اهد ثقيفا” (رواه أحمد والترمذي)، وقال: “إن الله لم يبعثني طعانا ولا لعانا، ولكن بعثني داعيا ورحمة.. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون” (رواه البيهقي في شعب الإيمان).

وسبب الدعاء لهم أن بعض الصحابة قال له بعد ما أصابه يوم أحد: ادع عليهم يا رسول الله.

3- روى عباد بن مصعب عن ربيعة بن عثمان قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه، فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لنعيمان: لو نحرتها فأكلناها، فإنا قد قرمنا إلى اللحم، ويغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنها؟ قال: فنحرها نعيمان ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته، فصاح: واعقراه يا محمد فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “من فعل هذا؟” فقالوا: نعيمان فأتبعه يسأل عنه، فوجدوه في دار صباغة بنت الزبير بن عبد المطلب مستخفيا، فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله. وأشار  بإصبعه حيث هو، فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: “ما حملك على هذا؟” قال: الذين دلوك علي  يا رسول الله هم الذين أمروني، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه ويضحك. وغرم ثمنها”.

4 - مع اليهود : حيث كانوا يسيئون الأدب معه في حضرته وأثناء خطابه، فيلمزونه، ويحيّونه بتحية فيها من الأذى والتهجم ما يدلّ على سوء أخلاقهم، فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاء ناسٌ من اليهود إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فقالوا: السَّام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السَّام عليكم، وفعل الله بكم، فقال رسول الله  صلَّى الله عليه وسلّم: (مه يا عائشة، فإنَّ الله لا يحب الفحش ولا التفحش). (رواه مسلم).

5- مع العصاة المذنبين : إنَّ فتى شابًّا أتى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم  فقال : يَا رسولَ اللّه ائذن لي بالزِّنا .. فأَقبل القوم عليه، فزجروه، قالوا : مَهْ مَهْ. فقال النَّبيّ  صلَّى اللّه عليه وسلَّم :  ((ادْنُهْ))، فدنا منه قريباً، فجلس، قال النَّبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم  :  ((أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟)).  قال: لا ، واللَّه، جعلني اللَه فداءك ! . قال :  ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ ، أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ )). قال: لا واللَّه، يا رسول اللّه، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قال: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِم، أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟  قال: لا واللّه، جعلني اللّه فداءك،  قال : ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ )).  قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: (( ولا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟). قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال : ((ولا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِم)) . فوضع يده عليه، وقال:((اللَّهُمَّ اغفِر ذَنبَهُ وَطَهِّر قَلبَهُ وَحَصِّن فَرْجَهُ))، فلم يكن بعدُ ذلك الفتى يلتفت إلى شيءٍ.