نعيش في ذكريات الهجرة ونتملاها ونستفيد منها، ونحيا بها؛ لأنها ذكرى هجرة النبي- صلى الله عليه وسلم-، وتأييد المولى- تبارك وتعالى- له، وأي إنسانٍ ينظر إلى الهجرة لا بد أن يتأمل الوضعَ العجيبَ الغريب في مكة، كل شيء في مكة آمن، حتى القاتل إذا قتل ودخل الحرمَ فلا ينظرُ إليه مَن قُتل منه، القاتل آمن، والمواخير مُفتَّحة، والربا على أشده، والأصنام تملأ منارة التوحيد، ظلمًا وعدوانًا، حتى الطير آمن لا يُصاد في مكة، كل شيء آمن إلا صاحب الدعوة- صلى الله عليه وسلم-، كل شيء مطمئن إلا حملة هذه الرسالة في مكة، تُهدر دماؤهم، وتُصادر مصالحهم، ويفقدون الأمنَ والأمان، وتُعلَن عليهم الحرب، وهذا ظلمٌ لا حدَّ لَهُ ولا نهايةَ له؛ ولذلك قُوبل من الجانبِ الآخر بما يُكافئ هذا الظلم.. أعلن المولى- تبارك وتعالى- ردًَّا على ما ينزل بالمؤمنين، أعلن ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج من الآية 38) هكذا على الإطلاق، يُدافع عنهم.. يحميهم، يؤويهم، يكرمهم، يطمئنهم ويعزهم وينصرهم، فإذا كانت الدنيا، وإذا كان الكفرة، وإذا كان أعداء الله أعلنوا الحربَ على المؤمنين، فإنَّ الله- عزَّ وجل- يُعلن الدفاعَ عن المؤمنين، ومَن دافع الله عنه، ومَن حفظه الله فهو المنصور الغالب، ومَن يقف أمامه فهو المغلوب المهزوم.

يُعلن المولى- تبارك وتعالى- على الإطلاق من غير تحديد ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: من الآية 38) ثم يعلن ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: من الآية 38)، ثم يُعلن المولى- تبارك وتعالى- أنَّ المؤمنين ظُلِموا، وأنَّ المؤمنين بُغِي عليهم، وأنَّ المؤمنين اعتدي عليهم، وأنهم يُقاتلون بغير وجه حق، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (الحج: من الآية 39) بأنهم بُغي عليهم، بأنهم اعتدي عليهم، ثم يتحدَّى المولى- تبارك وتعالى- مرةً أخرى ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هكذا.. وفي سورة أخرى، يُذكِّر المؤمنين بهذا الأمر فيقول: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال من الآية 26) ويقول لهم: ﴿وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ (النساء: من الآية 104) فماذا كانت النتيجة، في سورة التوبة، يُعلن المولى- تبارك وتعالى- عن طرفٍ وعن جانبٍ من جنوده الذين ينصر بهم، ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ (التوبة: من الآية 40) وجنود الله التي ينصر بها لا حصرَ لها، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية 31).

إنَّ خروجَ النبي- صلى الله عليه وسلم- من داره، وهي محاصرة بأربعين فتًى من أقوى فتيان مكة، وبيدهم السيوف، والرسول- صلى الله عليه وسلم- أعزل لا سيفَ معه، لهو نصر، وهو دفاع عنه، وهو حِفْظٌ له، لقد أنامهم المولى- تبارك وتعالى- وعلى رأسِ كل واحدٍ منهم الترابُ الذي ألقاه صلى الله عليه وسلم، أليس هذا نصرًا؟! أليس هذا نصرًا من القوى العزيز؟! ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج من الآية 39).

وصول النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى الغار، وإحاطة المشركين بالغار، حتى إنَّ أحدهم لو نظر من بابِ الغار، وباب الغار منحدر إلى الأرض لرآه، وأبو بكر يرى أقدام القوم وهم يمرون أمام الغار، فيقول: يا رسول الله، لو نظر أحدُهم إلى قدمه لرآنا، فماذا قال له؟.. "يا أبا بكر، لا تحزن إنَّ الله معنا"، لا تحزن.. وفي هذا الموقف أقل ما يُقال فيه إنَّ الواحد يحزن، وقت الأهوال هذه، وقت الشدائد، لا تحزن، بل افرح واستبشر؛ لأن الله معنا، "ما بالك باثنين الله ثالثهما" ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: من الآية 40).

خروج النبي- صلى الله عليه وسلم- من الغار في الطريقِ إلى المدينة، وسراقة معروف بفروسيته، وقد عَلِم بما أعلنته قريش من مكافئةٍ لِمَن يتمكَّن من الإتيانِ بمحمد حيًّا أو ميتًا، ويسمع سراقة من أحدِ الأعراب يقول: لقد رأيت أسودة عند الساحل، فيقول له: لا هذا فلان وفلان، وأدرك أنَّ هذه الأسودة هي محمد- صلى الله عليه وسلم- وصحبه.. يقول سراقة: فدخلتُ داري فقلتُ لغلامي اخرج بفرسي إلى الأكمةِ وسألقاك عندها، ثم أخذتُ رمحي فزججتُ به الأرض، ثم خرج وعند الأكمة امتطى فرسه، وبعد فترة قليلة كان خلف الموكب، لحق بالموكب، لَحِق برسول الله، يقول سراقة: الرسولُ لا ينظر خلفه أبدًا.. مطمئن، أبو بكر هو الذي ينظر، ويقول: يا رسول الله لقد رفقنا، ولكن النبي- صلى الله عليه وسلم- درجة النبوة ودرجة الصلة بالله- عز وجل- لا يخافُ من أحد، ولا ينظر إلى الخلف، وأوشك سراقة أن يلحق بالركب، هنا يظهر جندي لا فارسَ ولا شيءٌ يضرب، الأرض التي يسير عليها الإنسان وهي ممهدة تشده إلى أسفل، جندي من جنودِ الله، يستخدمه متى شاء، ويدافع به عن الذين آمنوا، فانشقَّت الأرض، وغاصت أقدام الفَرَس، وأُلقي بسراقةَ على الأرض، فنادى الأمان من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فأمَّنه، فخرجت الفرس من كبوتها وامتطاها، وانطلق بها مرةً أخرى، فلما اقترب هذا الجندي وهو الأرض، من جنود الله، تغوص الأقدام، وتلقي الفَرَس وسراقة على الأرض، فطلب الأمان فأُعطي الأمان، وفي الثالثة ظنَّ أو اعتقدَ أنَّ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- نبي وأنه صادق، وأنه من عند الله، فعرض عليه الزاد، عرض عليه أن يُساعده.

من لحظاتٍ كان يطلبه، والآن تغيَّر الموقف وتحوَّل، فسار يعرض المعونة، فقال صلى الله عليه وسلم لا حاجةَ لنا، لكن عمي علينا، إذا لقيك أحد في هذا الطريق، فعمي علينا، قل لم أجدهم في هذا الطريق، ورجع سراقة وهو يقول لأهل مكة: لا لا يوجد أحد على هذا الطريق، والرسول- صلى الله عليه وسلم- وعده.. "ارجع ولك سوارا كسرى"، وعندما علم أبو جهل أنَّ سراقةَ التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه عجز عن النيل منه، وأنه رجع يُعمِّي عليهم الخبر، عاتبه أبو جهل عتابًا شديدًا، كيف تركت محمدًا يُهاجر، وأنت قد لحقت به؟ لكنه لم يتمكَّن، هناك جنودٌ حالت بينه وبين رسول الله، فنظر سراقة إلى أبي جهل وقال له: أبا حكمٍ، والله لو كنتَ شاهدًا لأمرِ جوادي إذْ تسوخ قوائمها، تسوخ في الأرض علمتَ ولم تشجب بأنَّ محمدًا رسولٌ ببرهان فمَن ذا يقاومه؟ لو رأيتني وفرسي تسوخ في الأرض قوائمها، لأيقنتَ ولأدركتَ أن محمدًا رسول، وأنه لا طاقةَ لأحدٍ بمقاومته ومغالبته.. أليس هذا من الدفاعِ عن المؤمنين ومن نصرهم، ﴿وإن الله على نصرهم لقدير﴾.

ثم ماذا يكون الأمر؟ هذا المهاجر- صلى الله عليه وسلم-، هذا النبي الكريم الذي خرج من مكة بهذه الصورة، انظروا إلى النصر الأكبر، وصلَ المدينةَ فأقام بقباء ثلاثة أيام أو أكثر- أسبوع على ما أعتقد- بنى فيه المسجد المعروف للآن والذي نزل فيه القرآن ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (التوبة: من الآية 108)، ثم تحوَّل الركب إلى المدينة، وبين قباء وبين المدينة مسافة صغيرة، وجد- صلى الله عليه وسلم- العجبَ في هذه المسافةِ الصغيرة، وجد الجنود، يمرُّ على قبيلةِ بني عوف، فإذا بها تخرجُ عن بكرةِ أبيها، مسلحةً مُدرَّعةً، وتقول: يا نبي الله هلمَّ إلى السعةِ والنصرةِ والمنعةِ، يعني انزل عندنا ونحن جنودٌ للإسلام ورجالٌ للإسلام، مستعدون ومسلحون نحميك ونمنعك وننصرك، فيقول- صلى الله عليه وسلم-: "دعوا الناقة فإنها مأمورة"، فيتركون خطام الناقة وتنطلق هي بنفسها، والرسول- صلى الله عليه وسلم- عليها، فتخرج قبيلةُ بني بكر فتعترض الناقة، يا رسول الله هلمَّ إلى المنعةِ والسعةِ والنصرة، فيقول- صلى الله عليه وسلم-: "دعوا الناقة فإنها مأمورة"، أي لها مكان ستبرك فيه، فيتخلون عنها ويسيرون ورائها، وهكذا كل قبيلة تخرج من ديارها تستقبل النبي- صلى الله عليه وسلم- وهي مسلحة على بكرةِ أبيها، رجالٌ أسلموا، صنعهم الله، على يدِ مصعب بن عمير صاروا جنودًا للإسلام، صاروا رجالًا يحمون هذا الدين وينصرونه ويدافعون عنه، وهكذا تحوَّل الركب المبارك بهذه الصورة، حتى وصلت الناقة إلى مضارب أو إلى مكان أخواله من بني النجار فبركت في مكانِ المسجد، مكان الروضة، مكان المسجد المعلوم العامر بالمدينة إلى يوم القيامة إن شاء الله، أليس هذا نصرًا؟ أليس هذا دفاعًا؟ أليس هذا تأييدًا؟ أليس هذا إيواءً؟!

مَن كان الله معه فلن يُغلب أبدًا، ولن يُخذل أبدًا، ولن يُهزم أبدًا، بل يُنصر في الدنيا ويُكرم في الآخرة، في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، والمسلمون اليوم على ظهرِ الأرض، وهم كعدد الرمل، في حاجةٍ إلى أن يكونوا مع الله، وأن يُجفِّفوا المعاصي، وأن يهجروا السوء، وأن يبتعدوا عن الشرورِ كلِّها، وأن تُطهَّر منهم القلوب، وأن تستقيم النفوس، وأن يُقبلوا على المولى- تبارك وتعالى- وأن يتجرَّدوا له، وأن يخرجوا من حظِّ نفوسهم، وأن يخرجوا من ميدانِ أهوائهم، وأن يعودوا إلى الله، وإلى سبيل الله، وإلى نصرِ الله- عزَّ وجل- على أنفسهم، وعلى أن يُحللوا وأن يُحرموا، وأن يكونوا جنودًا للإسلام، حينئذٍ ينالون عزَّ الدنيا وعزَّ الآخرة، ويصيرون من أهل الله وخاصته، يُدافِع عنهم ويحميهم ويؤويهم، وينصرهم ويشدُّ أزرهم، ويرفع قدرَهم، وتكون لهم الكلمة المسموعة، والراية المرفوعة.

حين يقف المسلمون، حين يعود المسلمون إلى الله، وإلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله، وإلى اتباع السلفِ الصالح، فلن يبقَى يهودي يرفع رأسه على ظهرِ الأرض، سيُنكَّث اليهود رءوسهم، وسيذلهم المولى- تبارك وتعالى- سيخرجون من ديار المسلمين ومن بلاد الإسلام، ولن يبقَى شيوعي يعتدي على دار من ديار الإسلام، ولن يبقى صليبي، بل سيعود الجميع إلى حجمهم الطبيعي، حين تقوم الأمة الإسلامية بواجبها وبإقبالها على المولى تبارك وتعالى.

أيها الإخوة المؤمنون، متى نعودُ إلى الله؟ ومتى نعود إلى هذا الحق؟ ومتى تمتلئ النفوس بهذا الدين وبهذه العقيدة، بالتوحيد بلا إله إلا الله؟"أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله".. أيها الإخوة المؤمنون: الطريق مفتوح، والزاد معروف، سلكه قبلنا مَن سلكه من الأخيار الأبرار، وما علينا إلا أن نضع الأقدام على الطريق، وأن نأوي إلى المولى- تبارك وتعالى- تائبين إليه، منيبين إليه، مستقيمين على أمره، عندئذ يدافع عنا، وينصرنا، ويسخر لنا الجنود التي أعدها للدفاع عن المؤمنين ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال من الآية 17).

أيها الإخوة المؤمنون: في ذكرى الهجرة نذكر آلام المسلمين، وضياع المسلمين، هم أيتام على موائد اللئام، تنمَّر عليهم كل لئيم، وكل خبيث، ومكر بهم الكفرة والمشركون من أعداء الله، فلا فلاح ولا نجاح إلا بالعودة إلى أصولنا، وإلى مصادرنا، وإلى ديننا، نعمل به ونعتز به، ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

---------
من تراث فضيلة المرحوم الشيخ محمد عبدالله الخطيب عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين