هل حقا، كما قالوا، كره الشعب المصري محمد مرسي، بعد سنة واحدة من حكمه؟ وهل كان الشعب المصري يسبق السلطات والمكائد الخفيّة في يوم من الأيام، بما يكفي لإزاحة رئيس أو أمير، أو حتى رئيس برلمان أو كاتب حسبة، أو حتى رئيس وحدة محلية، من دون مساعدة الأمن؟ اللهم إلا ثورة يناير، وخصوصا بعدما فقد حسني مبارك في الثمانين، خلال ثلاثين سنة من حكمه، صلاحيته الجسدية والنفسية، بعدما صارت السلطة الفعلية في يد ابنه جمال، فكان ذلك هو السبب الحقيقي لخروج الشعب في ثورة يناير، الثورة الشعبية الحقيقية التي هدّدت دولة العسكر، وأطاحت واحدا من أبنائها بعد 18 يوما من العناد والمكابرة. وعلّ ذلك هو الثأر المبيّت من الجيش لمن استطاع أن يحمله الشعب، ويصير أول رئيس شعبي في تاريخ البلاد من آلاف السنين، من غير مساعدة كهنة ولا كتبة ولا سحر ولا تنجيم ولا عرّافة، فقط طوابير متعطّشة لجمال التجربة، تخرج في شكل مبهر في خمسة استحقاقات انتخابية، لا ينكرها إلا أعمى القلب، من طلوع الشمس وحتى غروبها.

هل هذا المشهد الشعبي بامتيار هو الذي أغاظ النخبة (ثقافية وفنية وموسيقية ونقابية وإعلامية وصحافية وفكرية وحزبية وقضائية) التي اعتادت دائما أن تكون على حِجر السلطات، وتتعايش على فُتاتها بديلا آمنا ومدجّنا، ويعرف كل المهام المطلوبة منه لدى السلطة، ويقدّمها على طبق، ويأخذ مقابل خدماته الأعطيات والجوائز والهبات منذ فجر الضمير، فردّت النخبة للشعب الصاع صاعين، بأن وقفت مع السلطة بمكيدةٍ معلنة في مرسي والإخوان، وسيل التهم .. بيع الأهرامات وقناة السويس وحلايب وشلاتين .. إلخ، وفي الخفاء منها هو اجتثاث ثورة شعب تماما، بل ومحاولة محوها وتشويهها في الذاكرة الشعبية، وطمسها بكل الأدوات المتاحة والخفية. وتأمل فقط ما حدث نفسيا وإنسانيا لوائل غنيم، وانتحار سارة حجازي، وما بينهما وقبلهما من أفاعيل وأعاجيب كثيرة.

الرسالة كانت ببساطة، أيها الشعب الذي أتى برئيس مدني وأزاح ضابطنا، سيتم قهر المدني حتى الموت، ويخرج الضابط في كامل صحته وأناقته، تحت رعاية صغار ضباطنا، ويصير أيضا شاهدا على الرئيس المدني لثورتكم المكسورة، وسيلبسه البدلة الحمراء. ونجحت خطة العمل بحذافيرها، فالرصاصة معهم والسجون معهم، وإن لم تكفِ السجون القديمة، نبني الأحدث والأجمل والأشيك والله، (إنتوا مش عارفين إنكم نور عينينا ولا إيه؟).

هل هي مصادفة أن تكون أول شرارة من الثورة المضادة بدأت من اتحاد كتّاب محمد سلماوي، وبعدها احتلال المثقفين (النخبة والله) وزارة الثقافة، ويصير سلماوي المتحدث الرسمي باسم لجنة إعداد الدستور الجديد لثورة (بعد المغرب)، وسيد حجاب كاتب الديباج؟
ثورة في نصف ساعة وكان فيها ثلاثة وزراء داخلية وضباط يحرّكون في ميدان التحرير أصابعهم الوسطى للشعب، وبالقرب منهم بسطاء، باليومية يحملون البيادات الميري فوق رؤوسهم في رقص هستيري.

بالطبع، المشهد مرسوم بحرفية عالية في المطبخ الأمني والمخابراتي، وتلك كانت وقاحة المكيدة في أكبر تجلياتها، وباقي المشاهد سهلة ويسيرة، بعدما صار الرئيس المنتخب مخطوفا في قلعة عسكرية، واشتغلت آلة القمع والقتل وإغلاق القنوات، ثم استدعاء النخبة، كي يزيّنوا التورتة مقدمة للعريس الجديد (من القضاء). ولا مانع من "هتّيفة ناصريين"، كي يكونوا وزراء مدة معينة (كمال أبو عيطة)، ولا مانع من مستشار سياسي للرئيس (القاضي) من المفكرين كما وصفه محمد حسنين هيكل، وهو مصطفى حجازي، يتكلم الإنكليزية بطلاقة، وزياد أحمد بهاء الدين وحازم الببلاوي وآخرين، كي يكون على يدهم الدم، دم الشعب، ولا تلوث به بدلة الضابط أبدا أبدا، لأنها شريفة دائما وتعمل طول عمرها لله والوطن، وتكون الرسالة واضحة: أيها الشعب من قتلكم منكم بلباس مدني، ونحن فقط نحافظ على الأمانة.

وكمان عشان تصدّقوا: "لو أقدر أبيع نفسي هبيعها". وها هي البلد كلها معكم، مع الشعب، فمكتبة الإسكندرية في يد مصطفى الفقي، ومفيد شهاب الدين الذي وضع جزيرتي تيران وصنافير في عينيه عاد إليكم (إلى الشعب)، والببلاوي يخدم الشعب من الأمم المتحدة، والمدعي العام عبد المجيد محمود يكوّن نفسه ومستقبله في الإمارات، ومن رحلوا أخذوا حتى جائزة النيل، فهل حرام أن نعطي عدلي منصور قلادة؟