بقلم: د. محمد عزب*

إن من أهم الأسئلة التي تشغل المرء ما يعرف بأسئلة المصير الثلاثة: من أي شيء خُلقت؟ لماذا خُلقت؟ وإلى أين أصير بعد الموت؟ يمثل الثاني منها حلقة الوصل بين الأول والثالث، وعليه يكون الجزاء والحساب؛ إذ إن الحلقة الأولى لا يحاسب عنها المرء؛ لأنها قدر لا اختيار له فيه، أما الاختيار كله فيكون في عمله في السؤال الثاني، فعليه يتحدد مصيره وفق الجواب في السؤال الثالث.

لقد تنبأت الملائكة، وفق ما أخبر القرآن عنهم في بداية الخلق، بما يكون عليه المخلوق، حين راجعوا الخالق عز وجل قائلين: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) (البقرة: 30)، وإذا كان بعضهم قد انشغل بسؤال: كيف عرفت الملائكة بالفساد وسفك الدماء قبل خلق الإنسان؟ فكان الأولى أن يقال: هل صدقت نبوءة الملائكة؟ فالجواب عن كيف عرفوا لن يفيد، أما الجواب عن صدق نبوءتهم فسيقف على تفسير هذا الانحراف الذي وقع فيه الإنسان وفق رؤية الملائكة سلفاً، وستحدد له ماذا عليه أن يفعل حتى يحقق مراد الخالق منه حين أهبط آدم، وقال له: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 38).

لم تكن الملائكة تحسد المخلوق المنتظر، ولا تخاف من مكانته التي ستكون، لأنهم أطهار مطهرون من شأنهم التسبيح والدعاء للمؤمنين، فقد أخبر القرآن عنهم أنهم: (يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) (غافر: 7).

البأس بين سؤالين

إن حصول البأس ونزوله على الإنسان لا بد أن له مسببات عدة، قد يتبلور معها سؤالان: ما سبب البلاء؟ وكيف يمكن رفعه؟

فالسؤال الأول، وهو الباحث عن المسببات، من الطبيعي في ظل حالة السيولة أن يدخل في الجواب عنه غير المتخصصين، وهو ما يجعل اختلاف وجهات النظر حول مسبباتها حتمياً، ووقتها سيكون الجواب هو ما يجيده كثير ممن يظهر التباكي على حال الأمة، الذي يقال فيه: السبب هو التهاون في الدين، وهو سبب ليس عبقرياً في قوله، لأنه على حد تعبير الكواكبي: لا يلبث أنْ يقف قائله حائراً عندما يسأل نفسه: لماذا تهاون النّاس في الدّين(1).

الحال مع الوباء يشبه السفينة التي تعاني قرب الغرق، وقتها يكون الانشغال بالسؤال عن السبب من الجهد الضائع، بل الجهد يجب أن يتوجه لإدراك النجاة؛ لأن السبب غايته توجيه اللوم على المتسبب، أما الانشغال بأسباب النجاة فتجعل الجميع يسارع بالإنقاذ، إذ إنهم لو تباطؤوا فسيغرق المتسبب وغير المتسبب.

تتجلى آيات القرآن لتبين ما يجب على الناس حين وقوع البأس والمكروه، يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ {42} فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ) (الأنعام)، المطلوب ممن وقع عليهم البأس هو التضرع، والتضرع حالة أعظم من اللجوء للدعاء، فهي تحمل معنى الضعف والذل(2)، وتحمل معنى التقرب والتوسل، والمبالغة في السؤال والرغبة، وهي مساوية في المعني لكلمة «يجأرون» في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) (المؤمنون: 64)(3)، والجأر هو رفع الصوت مع التضرع والاستغاثة(4)، وعلى كل ففيه معنى: شدة الفقر إلى الله تعالى حال الطلب منه ورجائه.

في حالات البأس ينبغي أن يكون الإحساس بالضعف والفاقة، والذل والانكسار أعظم من غيرها من الحالات، وإذا كان الانكسار والإحساس بالضعف مطلوباً في كل وقت، فإنه في حال يكون أكثر طلباً من غيره من الحالات؛ ولذا تطلبت حالة الجدب صلاة الاستسقاء بهيئة وطريقة مخصوصة يخرج فيها المستسقي متضرعاً(5).

الرسل والتضرع

استعمال التضرع المشتق من الضرع، الذي يلتقمه الرضيع، فيشعر بالأمان، ويمتلئ جوفه منه معنى غير خفي، إن الله تعالى يرسل الرسل ليلجئ الأمم أحياناً إلى حالة التضرع، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) (الأعراف: 94)، وفي الآية الأخرى: (وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (الأنعام: 42)، يقول الطبري: فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إليَّ، ويخلصوا لي العبادة، ويُفْردوا رغبتهم إليَّ دون غيري، بالتذلل منهم لي بالطاعة، والاستكانة منهم إليَّ بالإنابة(6).

وإذا كان التضرع في حال إرسال الرسل والأنبياء مطلوباً غاية الطلب، فمطلوبيته حال حصول البلاء أحرى وأشد، تصور الآيات القرآنية حال المتضرعين الذين يعلم الله حالهم قبل الدعاء، وبعد الدعاء، ولكنه تعالى عاملهم بلحظة الدعاء لا بما سبقها أو أعقبها، وهو العليم بهم في كل الحالات، فقال سبحانه: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) (الإسراء: 67)، فلحظة التضرع إلى الله تعالى حتى ولو من كافر أصيل الكفر إذا توافر لها الذل الكامل للخالق والإنابة إليه حصلت الإجابة، وهو معنى يغيب عن كثير ممن يخجل من رفع يده لربه وقت المصيبة، فيظن أن سالف عمله يحول بينه وبين التضرع إلى خالقه.

إن الظفر مقرون باستصغار النفس واستقلالها في جنب الله تعالى، وانظر إلى قول الله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران: 123]، إن الله تعالى وصف أصحاب رسوله بالأذلة، وقد جعل العزة لهم في قوله سبحانه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8)، فكيف تكون لهم العزة وهم هنا أذلة؟ يقول الرازي: «الذل هنا هو قلة العدد وضعف الحال وقلة السلاح والمال وعدم القدرة على مقاومة العدو، ومعنى الذل: الضعف عن المقاومة»(7)، فحال الذل لله تعالى هي حال النصر، وهي حال العز في آن واحد.

قساوة غير مطلوبة

لقد درجت البشرية طول تاريخها على حالة من القسوة ونسيان المعروف نبهت إليه آيات الكتاب العزيز، فقد أمن أكثرهم العقوبة واستهان بها، قال الله تعالى: (وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 43)؛ أي: أقاموا على تكذيبهم رسلهم، وأصرُّوا على ذلك، واستكبروا عن أمر ربهم، استهانةً بعقاب الله، واستخفافاً بعذابه، وقساوةَ قلب منهم، وحسَّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم(8).

إن الوباء الحاصل الآن، الذي يحصد البشر تارة بعامل الرعب، وتارة بنهش الجسد، ينبه البشرية كلها أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن الفرار يكون من الله إلى الله، وأن حاجة البشرية كلها في هذه اللحظة الفاصلة، التي نفدت فيها كل الحيل، واستنفدت فيها كل الإمكانات هو اللجوء إلى الله.

وقد يتوهم بعضهم أن في الاقتصار على التوجه إلى الله دعوة لئلا يقوم الباحثون بواجبهم، بل إن من التوجه إلى الله هو السعي الحثيث لإدراك ما جعله الله شفاء، فليست المعادلة هي المساجد في مقابل مراكز البحث، بل المقصود هو التعانق بين الباحثين والركع السجود؛ لأن الغفلة عن باب الله وتركه مهلكة، وعدم السعي والأخذ بأسباب النجاة هو من ذات القبيل، وقد قال الله تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) (آل عمران: 126)، وقال معه أيضاً: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) (الأنفال: 60).

فاليقن بأن النصر من عند الله لا يعطل الأخذ بالأسباب المبلغة له، فالأول يقين لا شك فيه، والثاني واجب محتم لا يجوز تركه، فليت الفرصة التي مُنحها كل من كان يصلي في جماعة وصار يصلي في بيته، فأدرك أهله الأنس به وبصلاته بينهم، وحاز هو أجر الجماعة التي فاتته دون تفريط أن يكون الابتهال والتضرع، إلى الله أهم ما يجأر به ويحتمي بحمى الله تعالى.

------------
* نقلا عن مجلة "المجتمع" الكويتية

(1) طبائع الاستبداد، ص 9.

(2) المفردات في غريب القرآن، ص 506.

(3) تفسير السمرقندي (2/ 485).

(4) لسان العرب (4/ 112).

(5) تاج العروس (21/ 411)، ومعجم اللغة العربية المعاصرة (2/ 1360).

(6) تفسير الطبري (11/ 355).

(7) تفسير الرازي (8/ 348).

(8) تفسير الطبري (11/ 357).