يحتل الجانب الاقتصادي مساحةً بارزةً داخل مشروع (الإخوان المسلمين) للنهضة الحضارية، حيث اعتبر الإمام الشهيد "حسن البنا"- مؤسس الجماعة- المال والاقتصاد أحدَ الدعائمَ الأساسية لنهضة الأمة، معتبرًا أنَّ الأمة الناهضة أحوجُ ما تكون إلى تنظيم شئونها الاقتصادية.

وتنبُع نظرةُ الإخوان إلى القضايا والأفكار والسياسات الاقتصادية من منطلق إسلامي، يتَّسم بالمرونة والواقعية والعملية بذات القدر الذي يتمسَّك بالمنطلَقات والضوابط العقائدية لهذه النظرة.

فقد استلهم الإخوان جوهر الإسلام وروح نصوصه، ولم يكتفوا بالتَّعاطي السطحي مع هذه النصوص، ومن ثمَّ فإن القارئ لأدبيات (الإخوان المسلمين) يلمح أن هذه الكتابات في مجملها تتسم- إلى جانب الأسس الشرعية التي تنهض عليها- بدرجة عالية من الواقعية والعملية عند تناولها لجهود الإصلاح ونهضة الأمة الحضارية، سواء كانت هذه النهضة في جانبها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.

والنص التالي للأستاذ "البنَّا"- رحمه الله- يؤكد عمق هذه النظرة لدى الإخوان، حيث يقول الأستاذ "البنَّا": "إذا راجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقية وغربية، قديمًا وحديثًا رأيت أن القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدد عليه يعملون، وهدف محدد إليه يقصدون، وضعه الراعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل وأمكنهم العمل، حتى إذا حِيل بينهم وبينه، وانتهت بهم تلك الفترة القصيدة- فترة الحياة في هذه الدنيا- خلفهم من قومهم غيرهم يعملون على منهاجهم ويبدأون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا إليه، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينًا أو مكنوا نتائجه تمكينًا، وإما بتعهدهم على آثارهم فزادوا البناء طبقةً، وساروا بالأمة شوطًا إلى الغاية، حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، ويخلفهم غيرهم، وهكذا دواليك...؛ حتى تُحقَّق الآمال، وتصدق الأحلام، ويتم النهوض، ويثمر الجهاد، وتصل الأمة إلى ما إليه قصدت وله عملت...﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7).

وعند الحديث عن علاج المشكلات المختلفة التي تواجه الأمة- بغية استعادة قوتها ونهضتها- يرى (الإخوان المسلمون) أن العالم ستواجهه صعوبات، ويحتاج إلى الصبر على آلام العلاج"، ولم يعمدوا في يوم من الأيام إلى تخدير الأمة أو تزيين الصورة، فحين رفعوا شعار (الإسلام هو الحل) وضعوا الأمة أمام مسئولياتها عن طريق تعريفها آلام الواقع وآلام العلاج، الأمر الذي وضحه الإمام "البنَّا" بقوله: "اعلم أن مثل الأمم في قوتها وضعفها وشبابها وشيخوختها وصحتها وسقمها مثل الأفراد، سواءً بسواء، وعلاجها إنما يكون بأمور ثلاثة: معرفة موطن الداء، والصبر على آلام العلاج، والطبيب الذي يتولى العلاج" (رسالة دعوتنا)، وفي هذا يتضح لنا الأمر الذي يُظهر "واقعية" و"عملية" أفكار الإخوان ومواقفهم تجاه القضايا والمشكلات الاقتصادية، فعند رفض النُّظُم الاقتصادية الوضعية يستند الإخوان إلى أُسس موضوعية، كما لم يمنعهم إيمانهم بصلاح المنهاج والنظام الإسلامي من الإقرار بأن "لكل نظام من النُّظُم الاقتصادية الوضعية حسناتُه البادية".

أما حيثيات رفضهم لهذه النظم رغم ما فيها من حسنات فقد جاءت مستَنِدة إلى وجود عيوب فاحشة في كل نظام، كما أنها نبتت في غير أرضنا ولأوضاع غير أوضاعنا ومجتمعات فيها غير ما في مجتمعنا، فضلاً عن أن بين أيدينا النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف (انظر رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الاقتصادي).

وما أثاره الأستاذ "البنا" في هذه الفترة له أصداء في تاريخ الفكر الاقتصادي، وداخل نظريات التنمية الاقتصادية؛ حيث يعتقد العديد من الاقتصاديين أن الرأسمالية- كأحد النظم الاقتصادية الوضعية الأكثر رواجًا وانتشارًا، سواء من حيث السياق التاريخي للنشأة أو واقعها اليوم- هي بالأساس نتاجٌ لتفاعلات داخل الحضارة الغربية المسيحية، بل إن البعض يحصُرها في النطاق الأوروبي للحضارة التي تنبع من بيئتها وواقعها الثقافي والحضاري.

ويُحسب للإخوان وعيُهم المبكر حين لم ينبهروا بما عند الآخرين من نُظُم وضعية، فقد كانوا دَومًا من دعاة تبني سياسات اقتصادية تلتقي وتتَّسق مع المجتمعات الإسلامية وهويتها وثقافتها وواقعها، فهم يؤكدون على أنه "من الصعوبة بمكان أن يقوم الاقتصاد بدوره الفعَّال في النهضة والتنمية الشاملة في ظل نظريات اقتصادية غريبة عن المجتمع وهويته وثقافته.

وإلى جانب ذلك فإننا نجد لدى الإخوان فهمًا واضحًا لحقيقةٍ مقتضاها أن تطبيق المبادئ الاقتصادية الإسلامية لا يعني حتمًا تحقيق النهضة والتنمية الشاملة ما لم يصاحب هذا التطبيق وعيٌ وجهدٌ يعبئ طاقات الشعب الروحية وقواه الاجتماعية، ويتبنَّى سياسات جادة وجريئة تعتمد الواقعية، وتحقق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، وبين الاستثمار والادخار، وبين الصادرات والواردات، وتأخذ في الحسبان مرحلة التطور الاجتماعي والاقتصادي، والإمكانات المتاحة للمجتمع؛ من أجل التغيير المنشود وتحقيق السلام الاجتماعي والرفاه الاقتصادي والاستقرار السياسي، وهم بذلك يُقدِّمون إجابة على تلك الاتهامات المرسَلة التي يوجِّهُها البعض إليهم، زاعمين أن الإخوان لا يملكون إلا رفع لافتة عامة تحمل شعار (الإسلام هو الحل) عن طريق القفز فوق الواقع والرجوع إلى الوراء.

والمتصفِّح لأدبيات (الإخوان) يجد أن الهدف النهائي للنشاط الاقتصادي لديهم ليس فقط الارتفاع في الناتج القومي الإجمالي، بل هو الارتفاع بمستويات معيشية لجميع الطبقات، وذلك من خلال ضمان تحقيق التوزيع العادل لناتج هذا الارتفاع في الدخل القومي، وذلك حتى "تستريح كلُّ الطبقات"، وتتحقق الحياة الطيبة، كما يقول الإمام البنا، وتؤكد وثيقة (الإخوان وقضايا معاصرة) نفس الأمر من خلال تركيزها على أن يتحقق التغيير المنشود- السلام الاجتماعي، والرفاه الاقتصادي، والاستقرار السياسي- فهذا هو الهدف الذي يسعى إليه التغيير حتى يتحقق التلازم بين تحقيق الرفاه الاقتصادي والسلام الاجتماعي؛ وذلك ليتحقق الاستقرار السياسي.

فهي متلازمة ثلاثية تقف التجارب شاهدة على صوابها، وتأتي هذه الشهادات من البرازيل، كما تأتي من الدول الإفريقية، سواءً بسواء، كما تأتي من الدول الرأسمالية الكبرى التي زادت فيها المسافة بين دخول الطبقات الاجتماعية للدرجة التي أدت في كثير من الأحيان إلى زعزعة الاستقرار السياسي.

البعد الاجتماعي في السياسات الاقتصادية عند (الإخوان)

تُصنَّف الحركات الإسلامية سياسيًا في نظر البعض على أنها يمينية، ويستدعي هذا التصنيف في ذهن الكثيرين مواقف محددة تجاه بعض القضايا الاقتصادية، كالدعوة إلى الحدِّ من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للدرجة التي تصل إلى مطالبتها بالانسحاب التام، ولعلَّ أبرز ما يستدعيه هذا التصنيف هو إطلاق قُوى السوق من عِقالها، وما يُصاحب ذلك من عدم التفات إلى مطالب وحقوق الفقراء ومحدودي الدخل، إلا أن مراعاة البعد الاجتماعي في مواقف ورؤى (الإخوان) الاقتصادية هو موضوع اهتمام (الإخوان).

وقد جاء هذا الاهتمام بالبعد الاجتماعي عن الإخوان باديًا في فكر مؤسسة الجماعة، وذلك من خلال مجموعة من المبادئ الاقتصادية، والتي تمَّ اقتراح بعض السياسات الاقتصادية لتنفيذها (نلاحظ أن هذا الأمرَ كان في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين)، وهذه المبادئ هي:
1 – إيجاب العمل والكسب على كل قادر: بأن يقوم الأفراد بالحرص على العمل والسعي له، وأن تقوم الجماعة بالإعلان عن قيمة العمل "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده" (حديث شريف).

2 – محاربة موارد الكسب الخبيثة وغير الشرعية: حيث يقول الأستاذ "البنا": من تعاليم الإسلام تحريم موارد الكسب الخبيثة، وتحديد الخُبث في الكسب بأنه ما كان بغير مقابل من عمل: كالربا والقمار، واليانصيب ونحوها، أو كان بغير حق كالنصب والسرقة والغش ونحوها، أو كان عِوضًا لما يضر، كثمن الخمر والخنزير والمخدر ونحوها، فكل هذه موارد للكسب لا يبيحها الإسلام ولا يعترف بها (رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي: النظام الاقتصادي).

وتعتبر هذه الموارد الخبيثة- لكسب أحد من أفراد المجتمع- من أهم العوامل المؤدية إلى تفاقُم مشاكل التفاوت الطبقي، كما أن هذه الأموال لا تؤدَّى عنها زكاة، "فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، وبالتالي لا يكون للفقراء فيها نصيب.

التقريب بين الطبقات ليقضي على الثراء الفاحش والفقر المدقع، وفي ذلك يقول الأستاذ "البنا": "عمِل الإسلام على التقريب بين الطبقات؛ بتحريم الكنز، ومظاهر الترف على الأغنياء، والحث على رفع مستوى المعيشة بين الفقراء، وتقرير حقهم في مال الدولة ومال الأغنياء، ووصف الطريق العملي لذلك، وأكثرَ من الحثَّ على الإنفاق في وجوه الخير والترغيب في ذلك، وذمَّ البخل والرياء والمنَّ والأذى، وقررَّ طريق التعاون والقرض الحسن؛ ابتغاءَ مرضاة الله تبارك وتعالى ورجاء ما عنده".

توفير الضمان الاجتماعي

حيث يؤكد الأستاذ "البنا"- في رسالة (مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي)- على أهمية توفير الضمان الاجتماعي لجميع المواطنين، أيًّا كانت ديانتهم، وذلك انطلاقًا من تعاليم الإسلام الحنيف، فقد "قرر الضمان الاجتماعي لكل مواطن، وتأمين راحته ومعيشته، كائنًا ما كان، مادام مؤدِّيًا لواجبه، أو عاجزًا عن هذا الأداء بسبب قهري لا يستطيع أن يتغلب عليه، ولقد مرَّ عمر- رضي الله عنه - على يهودي يتكفَّف الناسَ، فزَجره واستفسر عما حمله على السؤال، فلما تحقق له عجزه قال له: "ما أنصفناك يا هذا!!، أخذنا منك الجزية قويًا وأهملناك ضعيفًا، أفرِِضوا له من بيت المال ما يكفيه"، وهذا مع إشاعة روح الحب والتعاطف بين الناس جميعًا.

إن الضمان الاجتماعي الذي تحدَّث عنه الأستاذ "البنا"- وطالب ويطالب به الإخوان- يُعد نموذجًا متطورًا لمفهوم دولة الرفاهية، الذي طبِّق شبيهٌ له عقب الحرب العالمية الثانية في الدول الإسكندنافية.

حظر استغلال النفوذ … من أين لك هذا؟

وفي هذا المبدأ يقول الأستاذ "البنا": كما حظر الإسلام استخدام السلطة والنفوذ، ولَعَن الراشي والمرتشي وحرم الهدية على الحكام والأمراء، وكان "عمر" يقاسم عماله ما يزيد عن ثرواتهم، ويقول لأحدهم: "من أين لك هذا؟ إنكم تجمعون النار، وتورثون العار"، وليس للوالي من مال الأمة إلا ما يكفيه.

أما بالنسبة للسياسات والإجراءات الاقتصادية التي قدمها الأستاذ "البنا" لتحقيق هذه المبادئ والأهداف فهي:

1- إعادة النظر في نظام الملكيات، فتُختصر الملكيات الكبيرة مع تعويض أصحابها عن حقهم، وتشجع الملكيات الصغيرة لزيادة عدد الملاك، ومن ثم زيادة درجة الانتماء.

2- تنظيم الضرائب الاجتماعية على أساس تصاعدي، بحسب المال لا بحسب الربح، وأولها الزكاة، ومحاربة الكنز، وحبس الأموال من التداول، والاستعانة بها في المشروعات الاقتصادية، وكذلك المشروعات الخيرية التي لابد منها، كملاجئ العَجَزة.. والفقراء.. واليتامَى.. وتقوية الجيش.

3- محاربة الربا وتحريمه، والقضاء على كل تعامل على أساسه، وتنظيم المصارف تنظيمًا يؤدي إلى هذه الغاية، وتكون قدوةً في ذلك بإلغاء الفوائد في مشروعاتها الخاصة.

4- تشجيع الصناعات اليدوية المنزلية، وهذا هو باب التحول إلى الروح أو العقلية الصناعية.

5- إرشاد الشعب إلى التقليل من الكماليات والاكتفاء بالضرورات، وأن يكون الكبار في ذلك قدوةً للصغار، وتقديم المشروعات الضرورية على الكماليات في الإنشاء والتنفيذ.

6- تحسين حال الموظفين الصغار برفع مرتباتهم وعلاواتهم وتقليل مرتبات الموظفين الكبار.

7- العناية بشئون العمال الفنية والاجتماعية، ورفع مستواهم في مختلف النواحي الحيوية.