تحكي الرواية التاريخية عن أحد الفلاسفة القدامى أنه امتلك أشياء كثيرة واستمتع بأشياء كثيرة ولكنه وجد نفسه في نهايةِ المطاف حكيمًا حزينًا.. فكل شيء ما خلا الله باطل.. دور يمضي ودور يجيء.. والأرض قائمة.. الشمس تشرق وتغرب.. الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال.. كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن.

 

تذكرتُ هذه الكلمات البليغة التي تصف الحالَ والمآلَ في هذه الدنيا حين نعى الناعي إلينا خبرَ انتقال الأستاذ نجيب محفوظ من الدنيا كالطيفِ الحزين.. هكذا خَلَقَ الله الدنيا وهكذا قدَّر لها أن تكون.. ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾.. يقولون إنَّ الموتَ صديقُ الحياة والحياةُ صديقةُ الموت.

 

في ديسمبر 2004م ذهبتُ لزيارته في الموعدِ الأسبوعي الذي يلتقي فيه بأصدقائه وتلاميذه.. وكانت فرحتُه كبيرةً بهذه الزيارة.. وكذلك كانت فرحة وحفاوة أصدقائه خاصةً الأستاذين الأديبين جمال الغيطاني ويوسف القعيد؛ ذلك أنه بعد أن اعتدى أحدُ المتطرفين الجهلاء على الأستاذِ نجيب محاولاً قتله نشأت جفوةٌ لا إرادية بين الأدباء والمبدعين وبين الإسلاميين عمومًا.. وعادةً الاستثناء والتطرف يكون ذا طابعٍ دعائي صاخب.. وصاحَبَ ذلك نشوءُ حالةٍ من التربصِ بين المثقفين والإسلاميين.. بدأت خطأً واستمرت خطأً- وما كان لها أن تكون- فكانت فرصة زيارة الرجل الطيب وتهنئته بيومِ ميلاده والحمد لله فرصةً كريمةً لإزالةِ غبار كثير نثره المتطرفون العلمانيون والدينيون على السواء.

 

 الصورة غير متاحة
أذكرُ يومها أن سأل أحدُ الحاضرين عن رواية (أولاد حارتنا)، وهي الرواية التي أثارت كثيرًا من الجدلِ حول إيحاءاتها العقائدية.. فرفض الرجلُ الطيبُ بإصرارٍ غريبٍ أي حديثٍ حولها.. بعدها حدثني أحدُ الإخوان أنه قرأ حوارًا للأستاذ نجيب يقول فيه عن هذه الرواية تحديدًا: "ربما أصبحتُ أكثر نضجًا وأكثر فهمًا للحياة.. فكل روايةٍ كتبتُها ارتبطت بظروفٍ معينةٍ ومرحلةٍ معينة".

 

وحقيقةً أنا أتعجب ممَن يقفون عند هذه الرواية.. ويطيلون الوقوف!!.. ويتغافلون عن كتاباتِهِ الروائيةِ الأخرى التي أتصور أنها من أعمق وأقوى ما كتب في التوصيف والنقدِ الاجتماعي للواقع المصري في عصوره المختلفة والتي بها يستحق أن يُوصف بأنه (فيلسوف بلا أعمالٍ فلسفية)، فكانت رواياته وحوارات أشخاصه في هذه الرواياتِ وما جرى على ألسنتهم من رأيٍ وفكرٍ وتأملٍ إشراقاتٍ عميقة غنية بالمعاني والدلالات.

 

وكان أكثر نقده يوجهه للفسادِ والاستبدادِ الذي يُنافِي طبيعة الروح المصرية الشفيفة السمحة المتدفقة بالخيرِ كالنيل العظيم، كانت كتاباته بمدادٍ من دمِ فؤاده كما يقولون أَسًى وحزنًا على حرمانِ أهل بلده الطيبين من الديمقراطيةِ والكفاية.. وكشفًا وتعريةً للاستبدادِ والظلم.

 

تربيتُ في (دعوة الإخوان) على أنَّ من أعظم ما جاء به الإسلام العظيم هو (مكارم الأخلاق)، هكذا كان يقول لنا أساتذتنا وشيوخنا رحمهم الله.. مدللين بحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق".. هكذا بوضوحٍ شديد.. وإنَّ أقرب الناسِ مجلسًا من الرسول يوم القيامة "أحاسنهم أخلاقًا".. نتأمل هذه الأحاديث ونتمثل أخلاقَ هذا الرجل الطيب الذي كان يمشي ينشرُ البشرَ في الناسِ يُبادِرهم بالسلامِ، تاركًا أيَّ لمحة كبرٍ قد تصاحبه بينهم.. ولعل التزامه الأخلاقي في سلوكه الشخصي كان أحد الأسباب القوية في غزارةِ إنتاجه وتميزه على كثيرين ممن حوله، فكان مثالاً للزوجِ الكريمِ والأبِ الحنون.. كان عفَّ اللسانِ فلم نقرأ له أو نسمع عنه سبًّا هنا أو لعنًا هناك.. رغم أنه قال كل ما كان يريد قوله ونقد كل مَن كان يريد نقده.. ووضع مسافةً بينه وبين السلطةِ تحفظُ له كرامته وقامته.. فلم يُصادم ولم ينحنِ، وكان في هذا الجانبِ تحديدًا نموذجًا فريدًا.

 

الي