يرتكز العمل الثوري في مصر على ثلاث قواعد رئيسية وهي صراع الهوية وصراع الأجيال والصراع الطبقي.

 

والثلاثة مرتكزات تبدو واضحة في حالة الثورة المصرية الراهنة، فالصراع على الهوية المصرية هو أكثر الأمور وضوحًا في الحراك الثوري الحالي.

 

ومن الواضح أن الانقلاب جاء لتغيير الهوية الثقافية للمجتمع المصري بعد سنوات التجريف الكبرى التي سطَّحت العقل المصري الجمعي، وأصبح مهيئًا لتغيير ثوابت ثقافته وهويته دون أن يدري، ويأتي صراع الأجيال في مرتبة تالية لصراع الهوية، وتكفي نظرة واحدة إلى المظاهرات التي تملأ الشوارع والساحات ونظرة أخرى إلى راقصي الشوارع أمام لجان استفتاء الدم وعلى الراقصين على دماء الشهداء لنعلم ونوقن بمدى عمق صراع الأجيال الذي تحمله الثورة المصرية. صراع بين أجيال الهزيمة التي عاشت وتربت على انكساراتها وأجيال أخرى حملت حلم الحرية وأبت إلا أن تموت من أجله، وتبقى الركيزة الثالثة ألا وهي الصراع الطبقي الذي يجدر بنا أن يكون أحد محاور اهتمام الكتلة الصلبة الثائرة والذي أرى أنه لا يزال مهملًا لها.

 

عند ذكر مصطلح الصراع الطبقي يصاب البعض- إن لم يكن الكثير- من أصحاب المرجعية الإسلامية على تنوع اتجاهاتهم من أقصى اليمين إلى الوسط طبقًا للتصنيف الذي أُجبروا عليه بحالة من الترقب والتوتر؛ حيث ارتبط المصطلح بالفكر المادي الماركسي والإلحاد من وجهة نظر تيار ليس بالقليل من جمهور "الإسلاميين"، وكأن الحديث عن مصطلح تم صكه طبقًا لنظرية أو أيديولوجية أخرى هو إيمان أو ترويج لتلك الأيديولوجية وهو ما أعتقد أنه خطأ بالغ الخطورة وخاصة على تيار الإسلام السياسي الذي يمثل الكتلة الصلبة للثورة المصرية.

 

وجدير بالذكر أن أي عمل ثوري مهما كانت الاتجاهات الفكرية والأيدلوجية التي يتبناها يحمل بداخله صراعًا طبقيًا صريحًا مهما حاول أصحابه إخفاءه أو تجاهله، ربما زاد وزنه النسبي أو قل ولكنه في النهاية موجود بقوة، وعلى الجميع الاعتراف به ووضعه في حجمه ووزنه الصحيح داخل معادلة الثورة، وأزعم أن هذا ليس ترفًا بل واجب حتمي حتى تتضح الصورة ويكتمل بناء العمل الثوري طبقًا لأدوات ومعايير صحيحة.

 

وبداية نوضح تعريف الصراع الطبقي وهو يتنوع طبقًا للإطار الفكري النابع منه.

 

يقول ماركس: "إن التاريخ المكتوب لجميع المجتمعات هو تاريخ كفاح الطبقة العاملة" وهو بتلك العبارة يبدو أنه يختزل كل التاريخ في كل مكان في الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة والطبقات التي تستغلها ماديًا وثقافيًا. وبالتأكيد لا تبسط النظرية الماركسية المادية الأمور بهذا الشكل فصراع الطبقات يحمل صراعًا فكريًا وثقافيًا بالأساس.

 

وينأى منظري تيار الإسلام السياسي استخدام مصطلح الصراع الطبقي ويستعيضون عنها بالعدالة الاجتماعية وربما لقدرة منظومة السياسة الإسلاميه بشكل عام على كبح جماح الصراع الطبقي عن طريق آليات توزيع الثروة الموجودة في بنية السياسات المالية والنقدية الإسلامية ويقول سيد قطب رحمه الله " إن الإسلام ليصرخ في وجه الإقطاع الفاجر ووجه الرأسمالية الظالمة، وإن الإسلام ليلعن تلك الأوضاع التي تفرق الناس: أقلية مستغلة تملك كل شيء، وغالبية محرومة لا تملك شيئًا، إن الإسلام يقر التفاوت بين الناس. لكن أي تفاوت؟ إنه التفاوت القائم على الامتياز في الجهد والامتياز في العمل والامتياز في المشقة" ويوضح سيد قطب أنه ينأى بالإسلام عن أن يكون أحد مصادر الصراع الطبقي والتفاوت الحاد في مستوى معيشة المواطنين.

 

وعلينا الآن أن نعترف أن المجتمع المصري هو نموذج صارخ للطبقية ليست فقط الاقتصادية ولكننا نستطيع أن نقر أن هناك إحساسًا بالتميز العرقي لدى طبقة معينة وهم من يملكون السلطة والثروة ويروا أنهم أرقي من عامة المواطنين، وعلينا أن نوقن من ضرورة الاعتراف أن الصراع الطبقي لابد أن يكون أحد محددات ومرتكزات الثورة المصرية، وعلينا أيضًا الاعتراف أن الحديث عن العدالة الاجتماعية- التي كما أرى هي مرحلة لاحقة للقضاء على استغلال الطبقات التي تمتلك السلطة والثروة-  هو ترف في ظل منظومة الفساد المطلق والاستغلال الهائل لمعظم الشعب المصري والأجدى الآن أن نؤمن أن أحد أهم روافد الثورة المصرية هو الصراع الطبقي بين غالبية المصريين وبين المجموعة التي تحكم مصر منذ عشرات السنين واستطاعت مستغلة الفساد المطلق المتنامي والإحساس الزائف بالتميز أن تسيطر ليس فقط على الثروة والسلطة ولكنها باستخدام أدوات القمع وأدوات صناعة الوعي بتدجين الطبقة الوسطى وهي الطبقه القادرة على إحداث تغيير نوعي والحفاظ على المقومات الثقافية والاجتماعية للمجتمع وهي القادرة على إعادة تأهيل الطبقات الأدنى وتطويرهم والقادرة على كبح جماح الطبقات المستغِلَّة فتستطيع كبح جماح التفاوت الطبقي الهائل.

 

ومع انهيار الطبقة الوسطى في المجتمع المصري سواء بانبطاحها لطبقة المستغِلَّين في سبيل مصالحها أو بانهيارها تحت وطأة الفساد والقهر اندفع التفاوت الطبقي والاستحواذ على السلطة والثروة إلى مستويات غير مسبوقة، أصبح الوضع في مصر غير محتمل ووجب إعادة بناء المجتمع؛ لا عن طريق إصلاح ما به من فساد لوصوله إلى مستوى من التوغل البنيوي يستحيل معه الإصلاح؛ ولكن عن طريق بناء ثورة حقيقية تعتمد على المحاور الثلاث التي بدأ بها المقال، وعلي الكتلة الصلبة للثورة المصرية وهي قطعًا تيار الإسلام السياسي إعادة التفكير في التوجس من مفاهيم الصراع الطبقي والخوف المفرط منها وعليه الإيمان أن مفهوم العدالة الاجتماعية هو مفهوم يمكن التعامل معه في مجتمع مستقر أما تنظير وتأصيل الصراع الطبقي الذي يعتبر أحد أدوات الثورة المرجوة لإعادة بناء المجتمع المتآكل فهو واجب أصيل للباحثين عن تغيير حقيقي.

 

لقد راهن الانقلابيون على بنية تيارات الإسلام السياسي الإصلاحية وقبوله بالأمر الواقع وكانت مفاجأته الكبرى ومن معه من أصحاب الريموت كنترول أنهم لم يفعلوا ذلك ولكنهم تبنوا اتجاها ثوريا، وأصبح تيار الإسلام السياسي على أعتاب مرحلة فارقة في تاريخه بتحوله إلى تيار ثوري عقائدي ولا أحد استطاع في الماضي ولن يستطيع أحد في المستقبل أن ينتصر على تيار كهذا ولكن علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا ونعيد تركيب الصور بما لا يتعارض مع الإطار الفكري المرجعي لتيارات الإسلام السياسي لنخرج من قوالب الأفكار الإصلاحية إلى قوالب أكثر رحابة ومرونة تحتك بالواقع الحقيقي وليس بالواقع الذي نريده ونثبت ركائز الثورة ونزيدها عمقًا.

 

على الكتلة الصلبة للثورة أن تقوم بدور الطبقة الوسطى في المجتمع التي قاربت على الاختفاء تحت وطأة الفساد وأن تضبط إيقاع خطابها مع الطبقات المطحونة والمنتهكة في مصانع مصر ومزارعها، والدفع بكل ما تمتلك من قوة وقدرة على التواجد إلي زيادة الزخم الثوري على محاور الثلاث، ولنتذكر أنه لا يوجد في مصر دولة بالمعنى السياسي وما يوجد لا يزيد عن مجموعة من أصحاب المصالح الذين التقوا سويًا وقرروا استغلال شعب بأكمله، لذا فلا داعي للخوف من انهيار الدولة لأنها غير موجودة بالأساس.

 

إن دخول صراع الهوية- الأيديولوجي- الأصيل على الخط مع الصراع الطبقي العميق في الحراك الثوري المفعم بجيل الشباب يستطيع زيادة قوة الثورة ويؤدي إلى تسريع وتيرة سقوط الدولة الفاسدة التي حطمت الدولة والمجتمع ويسرع بتحقيق الثورة التي تزداد تجذرا لأهدافها النبيلة.

 

------------------------------------

* عضو الهيئة العليا لحزب الوسط والقيادي بتحالف دعم الشرعية