الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛

 

فقد بالغ الانقلابيون المفسدون في سفك الدماء البريئة، وإزهاق الأرواح الطاهرة بغير حق، وأصموا آذانهم وأعموا عيونهم عن تحذير الله تبارك وتعالى (أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)، وتغافلوا عن وعيد الحق سبحانه (ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، وتناسوا توجيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحذيره "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مؤمن بغير حق".

 

ولم يكتف الانقلابيون بآلاف الشهداء، والزج بآلاف آخرين في السجون والمعتقلات ومعسكرات الجيش والشرطة، بل مارسوا أسوأ أنواع التعذيب للمعتقلين؛ ما أدَّى إلى تصفية العشرات منهم خارج إطار القانون بصورةٍ أفزعت كل أصحاب الضمائر الحية في العالم.

 

الثورة السلمية.. أعظم الجهاد

 

فقد قال صلى الله عليه وسلم "أعظم الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر"، وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: "كلمة حق عند حاكم جائر".

 

فأي ظلمٍ للأمة وأي جورٍ على العباد أعظم مما يفعله هؤلاء الدمويون الانقلابيون؟ ومن ثَمَّ فالصدع بالحق في مواجهتهم هو أفضل الجهاد كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك هو ما تفعله الجماهير المصرية الحرة التي تخرج إلى الشوارع والميادين تقول للظالم ارحل، أنت ظالم.

 

ولو أن الأمة قصَّرت في ذلك ولم تخرج لكانت آثمةً، ولتعرَّضت للهلاك بسبب جبنها وتخاذلها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم فقد تُودع منهم"، يعني فقد صاروا هم والعدم سواء.

أما اعتداء قوى الانقلاب الدموي على هؤلاء المتظاهرين السلميين بالقتل فإنه يلحق المقتول بدرجة سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".

 

فلنحافظ على سلمية ثورتنا وحركتنا، ولنكن شجعانًا في الجهر بالحق في وجه الانقلابيين، ولنستمر في هذا الأداء السلمي حتى يحقق الله آمالنا في الحرية والكرامة، فإن اغتالتنا يد الغدر الانقلابية فنحن شهداء أجرنا على الله هو حسبنا ونعم الوكيل.

 

إن الانقلابيين وهم يسيرون على خطى فرعون- بل يتجاوزونه- يريدون أن يستفزوا شباب الأمة عمومًا والتيار الإسلامي خصوصًا لجرهم إلى دوامة العنف، ودفعهم دفعًا إلى ترك السلمية والسقوط في مستنقع العنف والعنف المضاد، ولهذا فإن علينا أيها الثوار الأحرار من كل التيارات الوطنية ألا نُعطيهم ما أرادوا، وألا نترك السير الأقوى في قوة حركتنا الثورية وهو سلميتنا، ومهما كان حجم التضحيات التي نقدمها فهو أفضل من رد العنف الذي تمارسه سلطة الانقلاب الدموي، ويقينًا بإذن الله فسوف تنتصر ثورتنا السلمية على كل أسلحتهم.

 

لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق الرجال

 

فإن توالي المحن لا يزيد المؤمن إلا ثقة في ربه وصلابة في دينه ويقينًا بأنه على الحق (ولَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وعَدَنَا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ومَا زَادَهُمْ إلا إيمَانًا وتَسْلِيمًا).

 

إن مَن يحمل رسالة الحق يدرك أن أثمانًا غالية سيدفعها برهانًا على صدق إيمانه، يدفعها من ماله ومن راحته ومن أمنه ومن نفسه (ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ...)، لكنه لا ييأس من وعد ربه، ولا يُبدل في عقائده ومواقفه، ويستقبل الابتلاء بالصبر الجميل فيغلبه بإذن الله (... وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ).

 

هكذا لا ينقطع رجاؤه في رحمةِ الله، ولا يتزعزع يقينه في نصر الله (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ).

 

لهذا كله ولغيره لا نيأس أيها الأحباب، مهما فعل الظالمون فإن اعتقلوا أو قتلوا قيادات فلن يستطيعوا اعتقال إيماننا أو قتل أفكارنا؛ لأننا اجتمعنا على رسالةٍ لا على قيادات وأشخاص، أيًّا كان حبنا لهم وتقديرنا لجهادهم واعتزازنا بهم، فهل نخشى أن تضعف رسالتنا أو تسقط لاعتقال بعض القيادات أو استشهادهم؟ كلا والله، إن دعوة الحق لن تسقط ولن تموت، بل إنها على موعدٍ مع نصر كبير بعد المحنة، فاستمسكوا أيها الأحرار بدعوتكم واثبتوا على دينكم ومبادئكم، وحافظوا على سلمية مساركم، وثقوا بأن سلميتنا أقوى من رصاصهم، وتيقنوا بأن النصر والبقاء للأفضل أخلاقًا والأقوى إيمانًا ويقينًا (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).

 

احرصوا على قوة الصلة بالله (واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ)، وحافظوا على وحدتكم، وركزوا على الهدف الأعظم لحركتكم وجهادكم وهو تحرير الوطن والمواطن من الذل والقهر والاستبداد، واستعادة ثورة 25 يناير المجيدة بكل ما فيها من نُبل ووحدة وكرامة، ولا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق الرجال، والله معكم وناصركم .

 

والله أكبر.. وعاشت ثورتنا سلمية، وتحيا مصر حرة مستقرة

 

الإخوان المسلمون

القاهرة في: 14 من شوال 1434هـ الموافق 21 من أغسطس 2013م