شبهة يفندها الأستاذ الراحل مصطفى مشهور*

يثار تساؤل: هل الإخوان المسلمون، اليوم، وقيادتهم انحرفوا عن المسار الذي كان عليه الإمام الشهيد حسن البنا أم لا؟ وقد يقال ذلك تقريرًا أو اتهامًا وليس تساؤلاً.

إن الإمام البنا رحمه الله جمع الإخوان على الفهم الصحيح السليم للإسلام، ورسم الطريق للحركة به مقتبسًا ذلك من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدد الهدف والغاية ووضع الخطط الرئيسية والأهداف المرحلية والوسائل الممكنة المشروعة لتحقيق هذه الأهداف والمراحل.

الفهم.. أحد الأصول العشرين

فنجده مع الفهم وضع الأصول العشرين كإطار لفهم الإسلام من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل هذا الفهم الركن الأول من أركان البيعة العشرة، والتي هي في حقيقتها بيعة مع الله؛ وذلك لضمان حفظ هذا الفهم دون تبديل ولا تغيير، وقد تعرضنا - ونتعرض - في المحن إلى امتحان في ركن الفهم هذا بين المترخصين والمغالين، بين من يريدون منا أن نتنازل عن جوانب الإسلام التي تثير الحكّام والأعداء وتعرّضنا للمحن، وبين المغالين الذين خالفوا الأصل العشرين وصاروا يكفرون غيرهم من المسلمين بالجملة وببساطة، فكان الوفاء بالبيعة ألا نستجيب لكل من الطرفين حتى نورّث الفهم الصحيح دون تبديل ولا تغيير.

الإمام.. والخلافات الفرعية

وقد نبَّه الإمام حسن البنا رحمه الله إلى أن هناك أمورًا فرعية فيها خلاف فقهي، حثنا على عدم الخلاف حولها، وأوصى بأن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فالأمور الفرعية التي فيها أكثر من رأي - ولكل رأي دليله - لم يلزم الإمام البنا الإخوان جميعًا برأي واحد حتى لا تتحول جماعة الإخوان إلى فرقة أو مذهب، وقد يحدث من بعض أفراد الجماعة أن يكتبوا أو يقولوا قولاً قد يكون مخالفًا في جزئية ما لما في الأصول العشرين، فلا يعني ذلك انحراف جماعة الإخوان في مجموعها عن الفهم الذي بدأه حسن البنا.

الهدف.. والغاية

أما عن الهدف والغاية التي حددهما الإمام الشهيد، فيقول: "مهمتنا سيادة الدنيا وإرشاد الإنسانية كلها إلى نظم الإسلام الصالحة وتعاليمه التي لا يمكن بغيرها أن يسعد الناس، وفي مجال آخر يقول: اذكروا دائمًا أن لكم هدفين أساسيين:

1- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.

2- أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس.

وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في قامتها وقعودهم عن إيجادها.

فهل غيَّر الإخوان؟!

فهل غيَّر الإخوان وقيادتهم اليوم هدفهم وغايتهم؟ أو انحرفوا إلى أهداف أخرى؟ هل انتقصوا منها أو تخلَّوا عنها؟ هل استهدفوا الحكم لذاته لغرض دنيوي كالأحزاب السياسية؟ أم أنهم يصرُّون ويؤكدون هدف إقامة الدولة الإسلامية العالمية، وعلى رأسها الخلافة الإسلامية؟ وإنهم إذ يهدفون إلى ذلك إنما في الحقيقة يبتغون مرضاة الله، فالله هو الغاية، ويتحملون في سبيل ذلك كل أذى.

الحركة.. والمراحل.. والوسائل

وفي مجال الحركة بالدعوة والأهداف المرحلية والوسائل ذكر الإمام الشهيد أن الوسائل العامة هي:

1- الإيمان العميق

2- التكوين الدقيق

3- العمل المتواصل

وذكر أن هناك مراحل التعريف والتكوين والتنفيذ

وفي ركن العمل من أركان البيعة ذكر مراتب العمل وتدرجه في إيجاد الفرد المسلم، وذكر له مواصفات معينة، ثم البيت المسلم، والمجتمع المسلم، وتحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وإيجاد الحكومة الإسلامية، ثم إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية؛ حتى يؤدي إلى إعادة الخلافة الإسلامية ثم أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه، وجعل ذلك من أركان البيعة لحمايته من التبديل والتغيير، وذكر الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الأهداف المرحلية، وجعل الجهاد سبيلاً لا بد منه؛ فهو فريضة ماضية وذروة سنام الأمر، وأكد الجهاد قولاً وعملاً.

الإخوان وقيادتهم هل ما زالوا على الدرب بأمانة ووفاء؟

فهل سلك الإخوان وقيادتهم غير هذا الطريق؟ أو اختصروا مراحله؟ أو أغفلوا شيئًا منها؟ أو قعدوا عن الجهاد، أو غير ذلك؟ وها هي مناهجهم وبرامجهم تؤكد هذا المسار بكل أهدافه ومراحله ووسائله، ويلتزمون طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أشرنا إليه في السابق؛ من قوة العقيدة، ثم قوة الوحدة، ثم قوة الساعد والسلاح حينما لا يجدي غيرها.

فإذا كان الالتزام بالفهم والحركة والأهداف والمراحل والوسائل متحققًا؛ ففي أي شيء إذًا الانحراف عن مسار الإمام البنا؟

ولكن يبدو - والله أعلم - أن هناك من يريدون أن يشككوا في الجماعة كلها لحاجة في نفوسهم، ولكنهم يستحيون أن يشككوا في مسار حسن البنا حتى لا تنكشف نواياهم، فيقولون: إن الإخوان اليوم انحرفوا عن مسار حسن البنا.

ومن العجيب أن نسمع في المقابل من يتهم الإخوان بالجمود وعدم التطور، وأن يريدوا أن يلزموا من يعمل معهم بفكر وتصور لحسن البنا، مضى عليه أكثر من أربعين عامًا، وهذا أيضًا اتهام باطل، فنحن نلتزم بالأصول والخطوط العامة التي هي من أصل الإسلام وما سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الاجتهاد في الوسائل الفرعية لتحقيق هذه الغايات والأهداف الرئيسية فلا مانع منه، بل يجب أن نطور وسائلنا في حدود الإسلام مستفيدين من كل حديث وجديد.

وفي مجال الحركة كما في مجال الفهم قد تصدر من بعض الإخوان أقوال أو تصرفات فيها مخالفة بعض الشيء عن المسار الأول، كتغليب الجانب السياسي على الجانب التربوي والتكويني، أو غير ذلك، فلا يعني ذلك أن الجماعة كلها انحرفت عن المسار الأول.

---------
* من رسالة "تساؤلات على الطريق" للأستاذ الراحل مصطفى مشهور